
بقلم : علي جمعة العبيدي
السفير الليبي في طهران
لم يعد مصطلح «الدكتاتورية» في عالم اليوم توصيفًا سياسيًا بسيطًا يُطلق على أنظمة مغلقة أو حكام مستبدين فحسب، بل أصبح مفهومًا أوسع وأكثر تعقيدًا، يتجاوز حدود الدول ليصل إلى بنية النظام العالمي نفسه.
فالعالم، الذي يُفترض أنه خرج من كوارث القرن العشرين متعهدًا بعدم تكرار المآسي، يعيش اليوم شكلًا جديدًا من السيطرة، لا يُمارَس عبر الدبابات فقط، بل عبر الاقتصاد والقانون والإعلام والمؤسسات الدولية. إنها دكتاتورية لا تُعلن عن نفسها صراحة، بل ترتدي قناع الديمقراطية، وتتحدث بلغة حقوق الإنسان، بينما تمارس نقيضها على أرض الواقع.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل نظام دولي غير متكافئ، قُدِّم للعالم باعتباره الضامن للسلم والأمن الدوليين. غير أن هذا النظام، الذي تمحور حول الأمم المتحدة ومجلس الأمن، قام على فكرة الامتياز لا العدالة؛ إذ مُنحت خمس دول فقط حق النقض، أي حق تعطيل إرادة باقي دول العالم مجتمعة. هذا الامتياز لم يكن إجراءً تقنيًا مؤقتًا، بل تحوّل مع الزمن إلى أداة سيطرة سياسية مكّنت أقلية من التحكم بمصير الأغلبية.
ومع مرور العقود، بات واضحًا أن هذا النظام لا يُدار وفق مبادئ أخلاقية موحدة، بل وفق منطق المصالح والقوة؛ إذ لا تُقيَّم الدول بناءً على احترامها للقانون الدولي، بل وفق موقعها من المحور الغربي. فمن ينسجم مع هذا المحور يُكافأ حتى لو انتهك القوانين، ومن يخرج عنه يُعاقَب حتى لو التزم بها. وهنا يتجلى جوهر الدكتاتورية: فرض الإرادة لا الاحتكام إلى القانون.
أحد أبرز مظاهر هذه الهيمنة يتمثل في احتكار أدوات القوة العسكرية؛ فالعالم لا يعيش في ظل نظام أمني جماعي حقيقي، بل في ظل نظام انتقائي يسمح لبعض الدول بامتلاك أخطر أنواع الأسلحة دون مساءلة، بينما يُجرِّم دولًا أخرى لمجرد سعيها إلى تطوير قدراتها الدفاعية أو التكنولوجية. ويصبح الحديث عن «الأمن العالمي» فارغًا من مضمونه حين يُستخدم لمنع طرف والسماح لآخر وفق اعتبارات سياسية بحتة.
ولا يقتصر هذا الاحتكار على السلاح، بل يمتد إلى المال والاقتصاد؛ فالنظام الاقتصادي العالمي يخضع لهيمنة مجموعة محدودة من الدول الصناعية الكبرى، التي تتحكم بالمؤسسات المالية الدولية وتفرض سياساتها النقدية والتجارية على باقي دول العالم. هذه الدول لا تكتفي بوضع القواعد، بل تمتلك أيضًا أدوات العقاب؛ إذ أصبحت العقوبات الاقتصادية السلاح المفضل للنظام الدولي المعاصر، وتُستخدم لتطويع الدول وكسر إرادتها دون الحاجة إلى حرب مباشرة.
غير أن هذه العقوبات، في جوهرها، ليست سوى شكل حديث من أشكال الحصار الجماعي؛ فهي لا تُسقط أنظمة بقدر ما تُنهك شعوبًا، وتدمّر اقتصادات، وتفكك مجتمعات. نقص الغذاء والدواء، وتراجع الخدمات الأساسية، وانهيار العملة، كلها نتائج مباشرة لسياسات تُقدَّم على أنها «ضغط سياسي مشروع». وفي أي منطق أخلاقي يمكن اعتبار تجويع الشعوب وسيلة ديمقراطية؟
أما المنظمات الدولية، التي يُفترض بها أن تكون صمام أمان، فقد تحوّلت في كثير من الأحيان إلى جزء من المشكلة؛ فالقرارات الأممية تُنتقى بعناية، ويُسمح لها بالمرور أو تُمنع تبعًا لهوية الدولة المعنية. والقانون الدولي، الذي يُفترض أن يكون مرجعًا محايدًا، بات يُستخدم كسلاح سياسي؛ فهناك دول فوق المساءلة، ودول أخرى تُحاكم مرارًا على أفعال أقل خطورة.
وفي خضم هذا المشهد، تستمر الدول المهيمنة في تقديم نفسها كحماة للديمقراطية، غير أن واقعها الداخلي يكشف مفارقة صارخة؛ فالديمقراطية فيها تعاني من اختلالات عميقة، بدءًا من هيمنة رأس المال على القرار السياسي، مرورًا بتأثير لوبيات السلاح والشركات الكبرى، وصولًا إلى تراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات. تُدار الانتخابات، لكن الخيارات محدودة، والسياسات الجوهرية لا تتغير.
الاحتجاجات الشعبية المتكررة في هذه الدول ليست ظاهرة عابرة، بل مؤشرًا على أزمة بنيوية؛ فالشعوب التي يُفترض أنها تعيش في «أكثر أنظمة العالم حرية» تخرج إلى الشوارع مطالبة بحقوق أساسية، بينما تواجه بالقمع أو التجاهل. ومع ذلك، تُقدَّم هذه النماذج باعتبارها المثال الأعلى الذي يجب على باقي دول العالم الاقتداء به.
وتفضح القضية الفلسطينية هذا التناقض بأوضح صوره؛ فعلى مدى عقود، وقف النظام الدولي عاجزًا أو متواطئًا أمام معاناة شعب بأكمله. القرارات موجودة، والتقارير موثقة، لكن الإرادة السياسية غائبة. إن استخدام حق النقض لمنع أي مساءلة حقيقية، والدعم العسكري والسياسي المستمر، يكشف أن حقوق الإنسان ليست قيمة عالمية، بل أداة انتقائية تُفعَّل أو تُجمَّد حسب المصلحة.
إن أخطر ما في هذا الواقع ليس ازدواجية المعايير فحسب، بل السعي إلى فرضها كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. فالنظام الدولي الحالي لا يكتفي بإدارة العالم، بل يسعى إلى إعادة تشكيله وفق رؤيته سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. ومن يرفض هذا المسار يُعزل ويُعاقَب أو يُستهدف، في مشهد لا يختلف كثيرًا عن منطق الأنظمة الشمولية، سوى في الأسلوب.
إن الدكتاتورية لم تعد حكرًا على أنظمة داخل حدود جغرافية ضيقة، بل تحوّلت إلى منظومة عالمية تمارس سلطتها باسم القانون، وتفرض إرادتها باسم الديمقراطية، وتبرر عنفها باسم حقوق الإنسان. وما دام العالم يُدار وفق ميزان القوة لا ميزان العدالة، فإن الحديث عن نظام دولي عادل سيبقى مجرد وهم.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: من هي الدولة الدكتاتورية؟
بل: من يملك حق الحكم على الآخرين؟ ومن يراقب من نصّب نفسه وصيًا على العالم؟
ومن دون إعادة بناء هذا النظام على أسس المساواة والمحاسبة، ستبقى الشعوب هي الضحية، وستبقى الدكتاتورية، مهما غيّرت أقنعتها، هي الحاكم الفعلي لهذا العالم.
نشر بمدونات الجزيرة
2 فبراير 2026



