أخبار

إعدام الفلسطينيين بلا قانون… رافي فالدان يكشف الحقيقة الصادمة

كتائب عزالدين المصري _ مراسلين

روّج إيتمار بن غفير، السياسي الإسرائيلي المعروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة، في الآونة الأخيرة لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، حيث قوبل هذا القانون بمعارضة واسعة داخل الصف الإسرائيلي. وقد عبّر نواب من أحزاب الوسط واليسار عن رفضهم الشديد لمشروع بن غفير، معتبرين أنه يشكل انتهاكًا للقيم الديمقراطية وإلغاءً للضمانات القضائية الأساسية.

كما أعربت منظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة “بيتسيلم” والجمعية الحقوقية المدنية الإسرائيلية، عن قلقها من أن يشكل هذا القانون سابقة خطيرة، خصوصًا أن إسرائيل لم تطبق عقوبة الإعدام منذ محاكمة أدولف أيخمان عام 1962، محذّرة من أخطاء قضائية محتملة لا يمكن تصحيحها. ويشير نقاد وكتّاب رأي في المجتمع الإسرائيلي إلى أن القانون قد يفاقم التطرف والعنف الداخلي، ويضر بالسمعة الدولية لإسرائيل، ما يجعل الجدل حوله محتدمًا ومؤشرًا على الانقسامات العميقة في الساحة السياسية والقانونية داخل البلاد.

في هذا السياق، عبّر الطبيب الجراح والناشط في مجال حقوق الإنسان داخل إسرائيل، الدكتور رافي فالدان، العامل ضمن مؤسسة “أطباء من أجل حقوق الإنسان”، عن موقف لافت، وذلك عبر مقال نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية قبل أيام بعنوان: “إسرائيل لديها بالفعل حكم بالإعدام للمحتاجين من غزة إلى الرعاية الطبية”.

يجادل فالدان في مقاله بأن إسرائيل لا تحتاج إلى قانون رسمي جديد لتنفيذ الإعدام بحق الفلسطينيين، لأنها في الواقع تطبّق شكلًا من أشكال “حكم الإعدام” الضمني عبر حرمان المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة من الرعاية الصحية الأساسية.

ويشير فالدان إلى أن العالم يعتقد أن الحرب على غزة قد انتهت، إلا أن الواقع مختلف تمامًا، مؤكدًا أن هناك قرارات إعدام فعلية تُنفذ عمليًا على الأرض دون الحاجة إلى تشريع رسمي. ويضرب مثالًا على ذلك بالأطفال في غزة الذين يموتون يوميًا نتيجة عدم توفر العلاج الطبي الضروري، ما يسمح لأمراض خطيرة مثل السرطان بأن تفتك بهم بعد معاناة طويلة وألم شديد.

وينوّه الكاتب إلى أن جهود وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، لتمرير قانون الإعدام بحق الفلسطينيين ليست ضرورية عمليًا، إذ إن الواقع القائم على الأرض ينفذ هذه العقوبة بوسائل أخرى وأكثر فتكًا. ويشير إلى أن آلاف الفلسطينيين قُتلوا خلال العامين الماضيين نتيجة ممارسات مباشرة وغير مباشرة، دون الحاجة إلى قصف أحياء سكنية أو مخيمات لاجئين. ويصف فالدان هذه السياسة بجملة خطيرة، قائلًا: “إن قتل الفلسطينيين أصبح يُنفذ بكفاءة شيطانية”، موضحًا أن حجب الرعاية الطبية عن المرضى المحتاجين للعلاج العاجل يشكل أداة رئيسية في هذه السياسة، حيث يُترك المرضى يموتون بعد معاناة قاسية دون أي فرصة حقيقية للبقاء على قيد الحياة.

ويستعرض فالدان الوضع الصحي في قطاع غزة، موضحًا أن 33 مستشفى من أصل 36 تضررت بشكل بالغ جراء الحرب، بينها مستشفيات دُمرت كليًا وأخرى تعمل في ظروف شبه مستحيلة. ويضيف أن حتى المستشفيات القابلة لإعادة التأهيل تحتاج إلى سنوات طويلة للعودة إلى العمل بشكل طبيعي، حتى في حال توفرت الموارد اللازمة.

كما يشير إلى النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، وحرمان المرضى من السفر لتلقي العلاج، الأمر الذي يضاعف معدلات الوفاة ويزيد من معاناة المدنيين، لا سيما الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة، وعلى رأسها مرضى السرطان.

ويؤكد فالدان أن هذه السياسة المنهجية في حرمان الفلسطينيين من الرعاية الصحية الأساسية تمثل فعليًا تنفيذًا واسع النطاق لعقوبة الإعدام، دون الحاجة لأي تشريع إضافي، ما يعكس بعدًا إنسانيًا وقانونيًا صادمًا ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه حماية المدنيين.

ويضيف الكاتب أن نحو 1500 من أفراد الطواقم الطبية، بينهم أطباء اختصاصيون لا بديل لهم، قُتلوا خلال الحرب، فيما اعتُقل آخرون لفترات طويلة بتهم التعاون مع حركة حماس، وهي تهم لم تُثبت غالبيتها. وفي شمال القطاع، لم يتبقَّ سوى طبيب أخصائي قلب واحد لتغطية كامل المنطقة، إلى جانب طبيبين فقط مختصين في علاج الأورام على مستوى القطاع بأكمله. ورغم هذا النقص الحاد، لا تزال إسرائيل تمنع دخول أطباء اختصاصيين متطوعين من خارج غزة.

ويشير فالدان إلى نقص كارثي في الأدوية الحيوية، بما في ذلك مسكنات الألم، وعقاقير التخدير، والمضادات الحيوية، إضافة إلى انهيار منظومة تطعيم الأطفال بالكامل. أما المعدات الطبية الأساسية، مثل أجهزة التصوير بالأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي، فقد دُمرت معظمها، وما تبقى منها خارج الخدمة ولا يخدم مصلحة المرضى.

ويصف الكاتب الظروف الإنسانية في قطاع غزة بأنها بالغة الصعوبة والمرعبة، في ظل انعدام المياه الصالحة للشرب، والخيام المهترئة التي غمرتها الأمطار والبرد القارس، وانتشار الأمراض المعدية، وسوء التغذية، وغياب الأمن الغذائي، وانعدام مطاعيم الأطفال. كما يشير إلى أن غياب أدوات التشخيص المبكر للأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان، يعني أن عشرات الآلاف من المرضى قد يواجهون الموت نتيجة أمراض متعددة، كالفشل الكلوي وأمراض مزمنة أخرى.
فقدان الطفلة جنة مطير.

في مشهد آخر يعكس واقع غزة الصحي المأساوي، فقدت الطفلة جنة مطير، البالغة من العمر 4 أشهر، حياتها بعد صراع طويل مع أمراض نادرة وخطيرة، جعلت جسدها الصغير يعاني بشكل قاسٍ. ولدت جنة وهي تعاني من متلازمة بيكويث ويدمان، التي تسببت في تضخم الكليتين واللسان، ووجود ثقب في القلب، وفتق في السرة، إضافة إلى تضخم الجزء الأيسر من جسدها، وانخفاض حاد في مستوى السكر بالدم، وصعوبة شديدة في الهضم نتيجة ضغط الكليتين على الجهاز الهضمي، وانتشار واضح لخلايا السرطان في جسدها.

تأخر سفر الطفلة للعلاج في الخارج كان سببًا مباشرًا لتدهور حالتها الصحية، ما يعكس حجم المعاناة التي يواجهها الأطفال في غزة يوميًا. حيث تقول والدة الطفلة:
“كنا ننتظر فرصة للعلاج خارج غزة، لكن كل يوم تأخير كان يقتلها ببطء… لم يكن لدينا أي خيار سوى المشاهدة بينما يزداد ألمها.”
هذه الحكاية ليست حالة فردية، بل تمثل آلاف الأطفال الفلسطينيين الذين يواجهون القتل البطيء الممنهج نتيجة حرمانهم من العلاج والرعاية الطبية الأساسية، لتصبح شهادة مأساوية على الواقع الصحي القاسي في القطاع.

أمام هذا الواقع، لا يعود السؤال هو ما إذا كانت هناك حاجة إلى قانون جديد للإعدام، بل:
كيف يمكن لعالمٍ يدّعي الدفاع عن القيم الإنسانية أن يصمت أمام القتل البطيء الممنهج داخل المستشفيات والخيام؟
وهل يُقاس الموت فقط بصوت القصف، أم أن ترك مريضٍ ينزف حتى النهاية يُعد شكلًا آخر من القتل البطيء الممنهج؟

في غزة، لا يموت الناس فجأة… بل يُتركون ليموتوا، وهذه هي الحقيقة الأشد قسوة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews