ذهب السودان… ثروة تبتلع أبناءها
انهيار آبار أم فكرون يعيد ملف التعدين الأهلي إلى الواجهة

تقرير- انتصار فضل الله-مراسلين
السودان – في كل مرة يلمع فيها الذهب في باطن الأرض السودانية، يرافقه وجه آخر أكثر قتامة , وجه الخطر والموت, فبينما يمثل المعدن الأصفر أحد أعمدة الاقتصاد السوداني ومصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة، تتحول كثير من مواقع التعدين التقليدي إلى مصائد قاتلة، تحصد الأرواح بصمت، وتترك خلفها أسرًا مفجوعة وأحلامًا مدفونة تحت الأنقاض.

وخلال السنوات الأخيرة، باتت حوادث انهيار الآبار والمناجم في السودان ظاهرة متكررة، لا تكاد تمر أشهر دون أن تسجل مناطق التعدين الأهلي مأساة جديدة. ومع غياب التنظيم الصارم وضعف اشتراطات السلامة، يظل آلاف المعدنين يعملون في ظروف محفوفة بالمخاطر، مدفوعين بالفقر وقلة فرص العمل، بحثًا عن رزق قد يتحول في لحظة إلى نهاية مأساوية.

اقتصاد موازٍ بلا حماية
يُعد التعدين التقليدي أو الأهلي أحد أكبر مصادر إنتاج الذهب في السودان، حسب المعطيات يستوعب أعدادًا ضخمة من الشباب والعاملين الذين يتجهون إلى المناجم في مناطق نائية تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية. وفي ظل هذا الواقع، تعمل مجموعات كبيرة داخل آبار ضيقة وغير مؤمنة، دون معدات إنقاذ أو تدعيم هندسي، ما يجعل الانهيارات خطرًا دائمًا.
يقول مراقبين،ترتبط هذه الحوادث فقط بعوامل طبيعية، بل كثيرًا ما تكون نتيجة مباشرة للعمل العشوائي داخل آبار مهجورة أو غير مطابقة للمواصفات، إلى جانب غياب الرقابة الفنية المستمرة.

سجل طويل من المآسي
شهد السودان خلال السنوات الماضية حوادث مأساوية متعددة في مناطق التعدين، كان أبرزها انهيارات أودت بحياة عشرات المعدنين في ولايات مختلفة، وسط مطالبات متكررة بإغلاق الآبار الخطرة وتشديد الرقابة. وفي العام الماضي 2025 وحده، وقعت حوادث مشابهة في مناجم بشرق البلاد، أسفرت عن قتلى ومصابين، وأعادت النقاش حول بيئة التعدين غير الآمنة.
ومع تكرار المشهد، تتزايد الأسئلة حول أسباب استمرار العمل في مواقع سبق التحذير من خطورتها، وحول قدرة الجهات المختصة على فرض ضوابط صارمة تحمي العاملين في هذا القطاع الحيوي.

أم فكرون… مأساة جديدة في جنوب كردفان
وفي أحدث فصول هذه السلسلة الدامية، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية بولاية جنوب كردفان عن انهيار خمسة آبار ذهب مهجورة بمنجم أم فكرون بمحافظة أبوجبيهة في الثالث والعشرين من يناير الجاري.
وأسفر الحادث عن وفاة 13 معدناً وإصابة 6 آخرين، إلى جانب عدد من المفقودين، في مأساة هزّت المنطقة وأعادت ملف التعدين الأهلي إلى الواجهة من جديد.
وأوضح مدير الشركة بالولاية، ورشة ناصر ورشة، أن الآبار كانت مهجورة وموقوفة عن العمل، غير أن بعض المعدنين تسللوا إليها وقاموا بالعمل بصورة غير قانونية بعد قطع دعامات الدعم، الأمر الذي أفقد الآبار توازنها وتسبب في الانهيار.

خطة رسمية… لكن هل تكفي؟
في أعقاب الحادث، كشفت الشركة عن خطة للعام 2026 تهدف إلى تقليل حوادث انهيار الآبار، تشمل حراسة الآبار المهجورة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وردم الآبار الآيلة للسقوط، وإعادة تخطيط المناجم وفق أسس فنية حديثة لتعزيز السلامة وزيادة الإنتاج.
كما جددت الشركة مناشدتها للمعدنين بالابتعاد عن العمل في الآبار المهجورة والالتزام باللوائح والإرشادات البيئية وإجراءات السلامة المهنية.

ما بين الثروة والخطر
تبقى حوادث انهيار المناجم في السودان مؤشرًا خطيرًا على هشاشة بيئة التعدين الأهلي، وعلى الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية تبدأ من التنظيم الصارم وتوفير شروط السلامة، ولا تنتهي عند تدريب المعدنين وإغلاق المواقع المهجورة قبل أن تتحول إلى قبور مفتوحة.
فالذهب الذي يشكل ثروة قومية، لا ينبغي أن يكون ثمنه أرواح السودانيين.



