تقارير و تحقيقات
أخر الأخبار

رائد المريدي من غزة … حياة معلّقة بانتظار تحويلة للعلاج في الخارج


كتائب عزالدين المصري _مراسلين


رائد المريدي (أبو الوليد) شاب من قطاع غزة، يبلغ من العمر 36 عامًا. أُصيب رائد أثناء نزوحه الأخير الذي فرضه الاحتلال على بلوك 107 جنوب القطاع، بتاريخ 24 يونيو/حزيران 2025، برصاصة غادرة أطلقها قناص من قوات الاحتلال، استهدفت رأسه بشكل مباشر، في محاولة واضحة وصريحة لقتله دون أن يكون قد اقترف أي جرم.


تفاصيل الإصابة


أُصيب رائد إصابة بالغة أدت إلى تفتيت الغطاء الخارجي للجمجمة، وتلف عدد كبير من خلايا المخ. وبعد خضوعه لعملية جراحية طارئة، في ظل إمكانيات شبه معدومة ومحاولات طبية شديدة الصعوبة، تمكن الأطباء من إبقائه على قيد الحياة، إلا أن جسده أُصيب بشلل تام، أعاقه عن أداء أبسط مهامه اليومية؛ فلم يعد قادرًا على إعالة نفسه أو أطفاله وزوجته، أو حتى إطعام نفسه أو قضاء حاجته. تحوّل رائد من شعلة متقدة بالحياة إلى جسد عاجز، لا يعبّر عن نفسه سوى بالصراخ والبكاء ليلًا ونهارًا.


رائد الأب


رائد، كآلاف الآباء في هذه المدينة المكلومة، حاول جاهدًا الهروب من الموت وحماية أطفاله الخمسة من القصف الذي كان يطال كل شيء دون سابق إنذار، إلا أن القدر شاء أن يعيش الموت وهو على قيد الحياة.
يُضاف إلى قائمة انتظار طويلة
أصبح رائد رقمًا إضافيًا في قائمة انتظار طويلة، بلا أي فرصة حقيقية للنجاة، في ظل انعدام الإمكانيات الطبية، واستمرار السياسات الإسرائيلية القائمة على المنع والتقييد والحصار والإغلاق في مختلف مناحي الحياة داخل قطاع غزة.


علاج غير متوفر


يحتاج رائد إلى ثلاثة أنواع من المسكنات غير المتوفرة، والتي يتطلب تأمينها مبلغًا يتجاوز 100 دولار شهريًا، إضافة إلى العديد من الأدوية العلاجية المنعدمة بسبب إغلاق المعابر ومنع إدخال الاحتياجات الطبية. كما يحتاج إلى عملية جراحية معقدة في الدماغ، تُعد فوق الإمكانيات الجراحية المتوفرة في غزة، نتيجة تدمير المستشفيات، ونقص المعدات الطبية والإجرائية، وعدم توفر أدوات التخدير اللازمة لهذا النوع من العمليات الجراحية الكبرى.
وبالتالي، أصبح رائد، كحال آلاف المصابين في قطاع غزة، ينتظر دوره في طوابير طويلة على أمل فتح المعابر، واستكمال إجراءات التحويلات الطبية للعلاج في الخارج. لا يزال رائد يرى ما يحيط به بألم بالغ، غير قادر على التعبير عن نفسه أو الكلام؛ يبكي كثيرًا ويصرخ أكثر، دون أن يفهم أحد مقصده أو يدرك مراده.


طموحات قبل الإصابة


قبل إصابته، عمل رائد حارس أمن في إحدى المؤسسات الإغاثية، وكان يتفانى دائمًا في خدمة أبناء شعبه من النازحين والمحتاجين. لطالما حلم بإعمار منزله، وإقامة مشروعه الخاص، وكان ينتظر بفارغ الصبر انتهاء الحرب ليبدأ مع عائلته انطلاقة جديدة نحو الحياة، يعوّضهم فيها عن ويلات الحرب التي عاشوها بمرارة يصعب وصفها بالكلمات.


من يتحمل العبء


تقول زوجته، السيدة أم الوليد:


“أبو الوليد كان دائمًا سندًا إليّ وللأولاد، واليوم صرنا إحنا سنده. كان اعتمادنا كله في الحياة عليه، وما عمرنا توقعنا يصير معه هيك أو نواجه الألم الصعب اللي بنمر فيه. أوقات بحس بالتعب والإرهاق والمسؤولية فوق طاقتي، لكني سأخدمه لآخر نفس في عمري وعمره، لأنه دايمًا كان يخدمني ويسندني.”


وبحديث لإحدى زميلاته في العمل، س.أ.ع:


“عندي معارف كتير وناس مهمين وأطباء تواصلت معهم علشان يساعدوا رائد في السفر للعلاج، لكن الكل كان يقول: مش طالع بإيدنا إشي. هالأمر خلانا نحس كلنا بالعجز والتقصير تجاه رائد.”


ويقول وليد، الابن الأكبر:


“اشتقت لبابا يقوم ويلعب معي كرة الطائرة.”


الأمل المؤجل


لا تزال عائلة أبو الوليد تعيش على إيقاع الانتظار القاسي، انتظار لا يشبه الزمن، بل يشبه العجز. كل يوم يمرّ، ورائد حبيس جسده، وحبيس حدود مغلقة، وحبيس قرار لم يُتخذ بعد. تنتظر العائلة فتح المعابر كمن ينتظر معجزة، علّ بابًا يُفتح نحو العلاج خارج غزة، وعلّ فرصة حياة جديدة تُمنح لرجل لم يكن يطلب سوى أن يعيش، وأن يعود أبًا قادرًا على احتضان أطفاله والوقوف إلى جانبهم من جديد.


في غزة، لا يُقاس الألم فقط بما فُقد، بل بما يُعلّق على بوابة الانتظار… ورائد واحد من آلاف المرضى الذين ينتظرون حقهم البسيط في العلاج، وحقهم الأكبر في الحياة.

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews