تقارير و تحقيقات

في السودان .. مفكرة الأيادي “السوداء والبيضاء”

لم تكن الحرب التي فُرضت على السودان مجرد صراعٍ مسلح على الأرض، بل كانت حربًا شاملة استهدفت الإنسان في أمنه، وطعامه، وصحته، وحقه في التعليم والحياة.
وكانت هناك مفكرة خفية عن الشعب السوداني، خطّتها أيادٍ سوداء برؤيةٍ استراتيجية استهدفت النظام الصحي بولاية الخرطوم، بوصفه أحد أهم القطاعات الحيوية. فبعدما كان النظام الصحي بالولاية شبكةً متكاملة لإنقاذ الأرواح، حوّلته هذه الأيادي إلى ساحة مفتوحة للتخريب والتدمير الممنهج، وفق ما نصّت عليه “مفكرة الأيادي السوداء”.

يوثّق هذا التقرير، بالأرقام والوقائع، حجم الكارثة التي لحقت بالمؤسسات الصحية العامة والخاصة في ولاية الخرطوم، ويكشف كيف جعلت أيادي مليشيا الدعم السريع الباطشة من المرافق الطبية هدفًا استراتيجيًا في حربها على الدولة والمجتمع، في تجسيدٍ لانتهاكٍ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، كما يسلّط التقرير الضوء على جهود “مفكرة الأيادي البيضاء” التي خطّتها وزارة الصحة بولاية الخرطوم للصمود، وصولًا إلى تجاوز النظام الصحي مرحلة التعافي.

ويتتبّع المسار الذي خطّطت له وزارة الصحة بولاية الخرطوم لإعادة إعمار نظام صحي أنهكته الحرب، واستعادة الأمل في حق المواطن السوداني في العلاج والحياة الكريمة.

الهجوم الأصم الأعمى

بندقية عمياء صمّاء حرّكتها أيادٍ باطشة تعاونت على الإثم والعدوان، طالت كل مقدرات الشعب والدولة السودانية بلا بصرٍ يميّز أو سمعٍ يستجيب. إنها أيادي مليشيا الدعم السريع الإرهابية، أمتدّت هذه الأيادي الآثمة لتخريب النظام الصحي بولاية الخرطوم كهدفٍ أساسي واستراتيجي، تصدّر “مفكرة الأيادي السوداء” في حرب المليشيا على الدولة السودانية ككل، وتعرّض النظام الصحي بالولاية لتدميرٍ ممنهج وواسع النطاق خلّفته هذه الأيادي القذرة.

ووفقًا للتقارير، توقّف نحو 75% من المستشفيات العامة والمتخصصة الحكومية بولاية الخرطوم عن العمل، بسبب القصف المباشر بالمدفعية، والنهب، والحرق، والتحطيم، والسرقة التي طالت المعدات الطبية، وعربات الإسعاف، والإمدادات الطبية، والمعينات اللوجستية، إضافةً إلى تحويل عدد من المستشفيات إلى ثكنات عسكرية، وكانت أخطر نماذج الضرر في مستشفيات:
(شرق النيل، بشائر، ابن سينا، أحمد قاسم، الخرطوم التعليمي، الشعب، بحري، ومستشفى القابلات للولادة بأم درمان)، على سبيل المثال لا الحصر، كما طالت الأيادي الباطشة نحو 90% من المنشآت الصحية الخاصة بولاية الخرطوم، أي ما يُقدّر بـ (73) مستشفى من أصل (80)، أصبحت أثرًا بعد عين، بعد تدمير بعضها بالكامل، مثل مستشفيات (البراحة، الأطباء، يونيفرسال، وغيرها).
وتعرّضت مصانع الأدوية، والإمدادات الطبية، والصيدليات، والشركات الطبية الخاصة للنهب والحرق والتدمير الممنهج، حيث خرج نحو 25 مصنعًا للأدوية عن الخدمة، إضافة إلى تضرر حوالي 2300 صيدلية خاصة و450 شركة معدات ومستهلكات طبية وأدوية.

الخسائر بالأرقام المالية

تشير التقديرات الأولية لخسائر النظام الصحي الحكومي والخاص بولاية الخرطوم إلى أنها تتجاوز
12 مليار و 500 مليون دولار أمريكي.

الأرقام تفضح “مفكرة الأيادي السوداء”

وحسب إحصاءات مفصلة نشرتها وزارة الصحة بولاية الخرطوم ،للمستشفيات العامة والخاصة والمتخصصة المتضررة في المحليات السبع، فقد بلغ عدد المستشفيات التي خرجت عن الخدمة في محلية الخرطوم (38) مستشفى، بينها (24) مستشفى عامًا، وإثنان متخصصان (أنف وأذن وحنجرة)، و(3) مستشفيات نساء وتوليد، إضافة إلى مستشفى لمرضى الكلى وآخر لطب العيون، و(4) مستشفيات باطنية وجراحة، ومستشفى للأطفال، وآخر للجراحة، فضلًا عن مصحات للطب النفسي.
وفي محلية جبل أولياء، خرجت (3) من أصل (4) مستشفيات عن الخدمة.
وفي محلية الخرطوم بحري، تسببت المليشيا في توقف 9 مستشفيات، بينها 7 مستشفيات عامة واثنان متخصصان، أحدهما مستشفى للولادة، إضافة إلى مستشفى أحمد قاسم، الذي يُعد أكبر مجمع لجراحة القلب وزراعة الكلى وعمليات القسطرة القلبية في السودان، حيث تعرّض لتخريبٍ كبير ونهبٍ وحرقٍ شامل لمحتوياته، مما أدى إلى خروجه عن الخدمة تمامًا.
وفي محلية شرق النيل، تعطّلت 3 من أصل 4 مستشفيات عن العمل، بينها 3 مستشفيات عامة ومستشفى متخصص للأطفال.
أما في محلية أم درمان، فقد بلغ عدد المستشفيات التي خرجت عن الخدمة 16 مستشفى، بينها 12 مستشفى عامًا، واثنان متخصصان في الباطنية والجراحة، ومركز متخصص للأطفال، وآخر لطب العيون، ومستشفى القابلات للولادة، كما توقفت مستشفيات محلية أمبدة الكبيرة عن العمل، وخرجت 2 من أصل 5 مستشفيات خاصة عن الخدمة.
وفي محلية كرري، التي يسيطر عليها الجيش بنسبة 100%، ما تزال 4 مستشفيات حكومية تعمل، هي: (النو، بر الوالدين، الجزيرة إسلانج، ومستشفى السروراب)، إلى جانب مراكز حكومية وعدد كبير من المستشفيات والمراكز الخاصة، رغم تعرّض مستشفى النو لقصفٍ متكرر من مدفعية مليشيا الدعم السريع، مما تسبب في تعطيلٍ جزئي لعمله.

ثمار خراب الأيادي السوداء

إن استهداف مليشيا الدعم السريع لهذه المرافق الصحية أدّى إلى شللٍ كبير في النظام الصحي بولاية الخرطوم، ونتج عنه آثار كارثية في الحاضر تمتد إلى المستقبل على الصحة العامة، حيث تدهورت المؤشرات الصحية وارتفعت معدلات الأمراض والوفيات، ما دفع إلى هجرةٍ واسعة للمواطنين داخل وخارج السودان بحثًا عن العلاج.


وتعرّض النظام الصحي بالولاية لضغوط وتحديات كبيرة نتيجة تزايد معدلات العودة الطوعية للمواطنين، في ظل استمرار توقف مراكز الرعاية الأساسية وأكبر المستشفيات العامة والمتخصصة، وعدم وفرة الإمداد الدوائي بسبب تدمير صندوق الدواء الدائري، ونهب المتحركات وعربات الإسعاف المركزي والقمسيون الطبي، فضلًا عن مقتل وتهجير قسري للعديد من الكوادر الطبية، وهجرة أعداد كبيرة منها خارج البلاد.

ما قبل تنفيذ أجندة “مفكرة الأيادي السوداء”

قبيل اندلاع حرب أبريل 2023م، كان النظام الصحي بالعاصمة الخرطوم يتمتع بفعالية قوية وبنية تحتية أُسست على مدى سبعة عقود، ونظام إداري وخدمات علاجية ووقائية متكاملة، وخط إمداد طبي مستقر، واستثمارات طبية متنوعة تشمل مصانع ومستشفيات وشركات.
كما تحسّنت المؤشرات الصحية وفق التقارير العالمية، وكانت الخرطوم تخطو نحو التحسين المستمر للوصول إلى التغطية الصحية الشاملة، تنفيذًا لمعايير منظمة الصحة العالمية وتحقيقًا لأهداف التنمية المستدامة.

غارات الضياع

إلا أن أيادي مليشيا الدعم السريع, دمّرت ما أسّسته الصحة على مدى العقود السابقة في أقل من سنتين، دون مراعاة لأي قوانين إنسانية أو أعراف عالمية، في انتهاكٍ صارخ للقانون الدولي وقواعد الحرب التي تحظر الاعتداء على المرافق الحيوية ذات الأثر المباشر على حياة الجميع.

قرع أجراس النداء

أطلقت وزارة الصحة بولاية الخرطوم في نهاية عام 2024م نداءً للمنظمات والدول الشقيقة والصديقة، والصناديق الدولية والمانحين وفاعلي الخير، لتوفير التمويل اللازم لإعادة الإعمار.
وقد أسهم ذلك في استجابةٍ سريعة، حيث تدفقت المساهمات المالية والعينية، وساعدت في عودة مستشفيات كبرى إلى الخدمة بعد توقفٍ تجاوز عامين، منها:
(أم درمان التعليمي، الخرطوم التعليمي، بحري التعليمي، حاج الصافي، التركي، أم بدة، جبرة للطوارئ، ومستشفى علاج الأورام).


كما شهدت هذه المستشفيات تحسنًا في تقديم خدماتها الطبية، إضافة إلى عودة عدد من مراكز الرعاية الصحية الأولية في جميع محليات ولاية الخرطوم السبع، وأسهمت التدفقات المالية والعينية في إعادة تشغيل الإمدادات الطبية عبر صندوق الدواء الدائري، وتأهيل مخازن الأدوية والمستهلكات الطبية، مما أعاد تحريك سلاسل الإمداد الدوائي للولايات الآمنة، وساهم في عودة أعداد كبيرة من النازحين واللاجئين إلى ولاية الخرطوم.

“مفكرة الأيادي البيضاء”

تعمل وزارة الصحة بولاية الخرطوم، بالتنسيق مع الوزارة الاتحادية والشركاء المحليين والدوليين، على تنفيذ خطة لإعادة الإعمار والتعافي للنظام الصحي خلال عام 2026م.
وحددت الخطة أهدافها ومراحلها ومشاريعها، بعد التدمير الواسع الذي طال بنية النظام الصحي خلال الحرب، وشملت استعادة مستشفيات حيوية ومراكز متخصصة خرج عدد كبير منها عن الخدمة.
ويتمثل الهدف العام للخطة في استعادة الخدمات الصحية بكفاءة أعلى ،مما كانت عليه قبل الحرب، مع مراعاة أهداف استراتيجية متعددة، أبرزها:

التعافي الكامل للنظام الصحي
لإعادة تشغيل أكبر عدد ممكن من المستشفيات والمراكز الصحية المتوقفة.

تحسين الخدمات العلاجية والوقائية.

تعزيز قدرات الموارد البشرية عبر الدورات التدريبية وورش العمل.

توفير احتياجات العاملين ودعم استقرارهم.

تطوير البنية التحتية وتوفير أحدث المعدات الطبية.

إعادة تأهيل أقسام الطوارئ والأطفال والأقسام المرجعية
تعزيز التأهب والاستجابة للأوبئة والطوارئ الصحية.

وقد حددت الوزارة مراحل تنفيذ الخطة خلال عام 2026م على النحو الآتي:

المرحلة الأولى (الفورية):
إعادة تأهيل الأقسام الحيوية بالمستشفيات المرجعية (الطوارئ، التوليد، الأطفال).

المرحلة الثانية (التطويرية):
زيادة عدد المرافق الصحية العاملة وتحسين جودة الخدمات وتوسيع التغطية الصحية.

المرحلة الثالثة (الاستدامة):
تطوير نماذج إدارة صحية فعّالة، وتعزيز قدرات النظام الصحي عبر برامج تدريبية وشراكات دولية.

ثمار فلاح “الأيادي البيضاء”

إن ما تعرّض له النظام الصحي بولاية الخرطوم ،لم يكن أضرارًا جانبية للحرب، بل استهدافًا مباشرًا وممنهجًا لأحد أهم ركائز بقاء المجتمع والدولة، في انتهاكٍ فاضح لكل القوانين الدولية والإنسانية.
ورغم حجم الدمار غير المسبوق، أثبتت إرادة الدولة وصمود الكوادر الصحية ودعم الشركاء أن التعافي ممكن، وأن إعادة البناء ليست مجرد ترميمٍ للمباني، بل استعادة لحق المواطن في العلاج والحياة الكريمة.

إعداد : عثمان الجندي

الباحث : سارة الوليد محمود

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews