من “الألم إلى الأمل” كتابٌ يوثّق ذاكرة السوريين يُوقَّع في معرض دمشق الدولي

شريف فارس – مراسلين
دمشق – في العاشر من شباط 2026، وفي اليوم الخامس من فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب، استعادت مدينة المعارض في دمشق حضورها الثقافي بكل ما يحمله من رمزية. كان يوم ثلاثاء، لكنه بدا كعيد صغير للقرّاء، إذ ازدحمت الأروقة بالزوار، وتوزعت دور النشر السورية والعربية في دورة وُصفت بأنها من الأكثر تنوعًا منذ سنوات، بما احتوته من آلاف العناوين، وندوات فكرية، وأمسيات شعرية، ولقاءات مع كتّاب من مختلف البلدان.
وسط هذا المشهد، وقف الكاتب أنس الشيخ أحمد ليوقّع كتابه «من الألم إلى الأمل ثم النجاح»، وهو عمل توثيقي إنساني يجمع شهادات حيّة لسوريين عاشوا الحرب بكل تفاصيلها، وخرجوا منها حاملين بذور حياة جديدة. بدا التوقيع لحظة تتجاوز حدود الفعالية الثقافية، إذ تحوّل الكتاب إلى مساحة تُستعاد فيها الذاكرة، وتُروى فيها الحكايات التي لم تجد من يكتبها من قبل.
حضر الفعالية الأستاذ أنس الدغيم مدير مديريات الثقافة، يرافقه وفد من مديرية الثقافة في محافظة إدلب، كما حضر مدير مركز الشباب في الهيئة السياسية في إدلب الأستاذ مصطفى هاموا، إلى جانب عدد من الكتّاب الذين شاركوا كضيوف للمعرض. واكتمل المشهد بحضور نخبة من الفنانين التشكيليين، بينهم عزيز الأسمر وسلام حامض.
ورغم أن المعرض هو الأول بعد التحرير، ورغم أن المخيمات كانت وما تزال المصدر الأكبر للقصص التي وثّقها الكتاب—قصص الشهداء والمعتقلين والناجين والنساء اللواتي حملن عائلاتهن وحدهن—إلا أن مشاركة أبناء الثورة في مجال التوثيق كانت خجولة. فقد فرضت الظروف القاسية، وشتاء المخيمات، وضيق الوقت، واقعًا جعل الحضور الثقافي لأبناء الثورة أقل مما كان يُنتظر منهم في حدث.

وخلال حديث جانبي مع شبكة مراسلين، صرح الكاتب أنس الشيخ أحمد تصريحًا خاصًا بدا كأنه امتداد لصفحات كتابه، إذ قال بنبرة هادئة إن هذا العمل لم يكن مشروعًا أدبيًا بقدر ما كان واجبًا تجاه الذاكرة، وإنه كتب ما استطاع في ظل ظروف صعبة، مضيفًا أن ما كُتب ليس كل شيء، وأن في الذاكرة ما هو أكبر من أن يُختصر في كتاب واحد. وأوضح أن هذا الإصدار هو الجزء الأول من سلسلة كان يخطط لها، لكن ضيق الوقت ومسؤوليات العمل الإنساني والإعلامي لم تسمح له بإكمال بقية الأجزاء، قبل أن يضيف بابتسامة خفيفة أن الأمل ما يزال قائمًا، وأن ما لم يُكتب بعد سيجد طريقه يومًا ما إلى الورق.
كل صفحة تحمل قصة، وكل قصة تحمل جرحًا، وكل جرح يحمل بذرة حياة. قصص خنساء التي فقدت إخوتها الثلاثة في حمص ثم حملت مسؤولية ستة أطفال، ومياسة التي فقدت زوجها الثائر محمد مرعي المرعي ثم تابعت طريق العدالة، وعلاء الذي انتقل من العتالة إلى هيئة الطيران المدني، وحسن الناجي من صيدنايا، وزينب التي خيطت جراحها بالخياطة والدراسة، وأحمد الطبيب الناجي من الكيماوي، وغيرهم ممن جعلوا من الألم طريقًا نحو الضوء.
لم يكن الكتاب مجرد إصدار جديد، بل كان مساحة يلتقي فيها السوريون مع أنفسهم، مع قصصهم، مع ما فقدوه وما وجدوه. ومع نهاية الحفل، خرج الحضور وهم يحملون نسخهم الموقّعة، لكنهم كانوا يحملون شيئًا آخر في قلوبهم: يقينًا بأن الحكاية لم تنتهِ، وأن الألم مهما طال، يظل قادرًا على أن يلد أملًا، وأن الأمل حين يشتد، يفتح الطريق نحو النجاح.




