أخبارمقالات

سلام مؤقت فوق ركام الحرب

مساحة اعلانية 4

بعد أن سكتت المدافع، ولو مؤقتًا، سارع كل طرف إلى ارتداء عباءة النصر. هدنةٌ وُلدت على عجل، لكنها مثقلة بأسئلة أكبر من قدرتها على الاحتمال. وفي الأفق، تلوح مفاوضات معقّدة تنطلق اليوم السبت في إسلام‌ آباد، حيث ستُفتح ملفات شائكة: من حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز، إلى تخصيب اليورانيوم، وصولًا إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وملفات أكثر تعقيداً مثل الصواريخ الإيرانية والبرنامج النووي. وبين هذه العناوين الثقيلة، تحتفظ واشنطن بورقتها الأهم بالنسبة لساسة طهران ألا وهي العقوبات. غير أن كلفة الحرب التي أنهكت الجميع تجعل من هذه الهدنة أشبه بهدنة أنفاس لا أكثر.
على مدى أسبوعين، رفع دونالد ترامب سقف التهديد إلى حدوده القصوى. لوّح بقصف المنشآت الإيرانية، وأطلق عباراته الصادمة عن إعادة إيران إلى “العصر الحجري” إن لم يُفتح المضيق. ومع اقتراب العدّ التنازلي من نهايته، بدا المشهد وكأنه يتجه نحو انفجار شامل. فقبل ساعات من انتهاء المهلة، كتب تحذيرًا قاتمًا: “حضارة كاملة ستموت الليلة”. لكن في اللحظة الأخيرة، وقبل أقل من ساعة ونصف على انتهاء الإنذار، انقلب المشهد رأسًا على عقب. أُعلنت هدنة لمدة أسبوعين، مشروطة بإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن وفوري. طهران وافقت بدورها، مع حديث مبهم عن “قيود فنية” تحيط بحركة العبور والملاحة البحرية.
المفارقة أن الهدنة، على عادة الشرق الأوسط، لم تبدأ بالهدوء بل بضجيج الإنذارات. تحذيرات من ضربات وشيكة، واستنفار في أكثر من عاصمة. ثم فجأة، خفَتَ الصوت. الإعلان الإيراني بوقف إطلاق النار بدا كإشارة انطفاء مؤقتة لحريقٍ لم يخمد بعد. ومع ذلك، يبقى السؤال معلّقًا: هل تمهّد هذه المفاوضات لنهاية حقيقية، أم أنها مجرد استراحة قصيرة في قلب عاصفة طويلة؟
الروايتان المتقابلتان تكادان تختصران جوهر المشهد. في واشنطن، يُقدَّم ما جرى كدليل على فاعلية “سياسة الحافة” التي انتهجها ترامب، إذ أُجبرت إيران على فتح المضيق دون تقديم تنازلات كبرى. الصورة معكوسة تمامًا في طهران، فالضغوط الإيرانية وتهديد استهداف البنية التحتية الحيوية في الخليج هي التي دفعت واشنطن إلى التراجع. بين الروايتين، تضيع الحقيقة في منطقة رمادية، حيث لا نصر حاسمًا ولا هزيمة كاملة.
الهدنة، رغم هشاشتها، تحمل ارتياحًا عامًا في المنطقة بل وفي العالم، ربما باستثناء إسرائيل. فنتنياهو، الذي وجد نفسه مضطرًا لقبولها، يبدو أقرب إلى الخاسر الوحيد في لحظة هدوء لا تناسب حساباته. أما باكستان، التي لعبت دور الوسيط، فتتحدث عن شمول التهدئة جبهات أخرى، من بينها لبنان. لكن تل أبيب سارعت إلى النفي، وقصفت قلب بيروت بغارات غير مسبوقة وكأنها تذكّر بأن النار لم تُطفأ بالكامل.
في إسلام ‌آباد، لن يكون التفاوض سهلًا. الفجوة بين موقفي طهران وواشنطن لا تزال شاسعة. من بين النقاط التي طرحها الإيرانيون: اعتراف أميركي بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، استمرار سيطرتها على مضيق هرمز، وانسحاب القوات الأميركية من قواعدها في المنطقة. أي قبول بهذه البنود سيُعدّ تنازلًا كبيرًا من جانب واشنطن. في المقابل، تطالب الولايات المتحدة بوقف كامل لبرنامج التخصيب. وإذا تمسّك الطرفان بمواقعهما، فقد تعود الأمور إلى المربع ذاته الذي سبق اندلاع الحرب.
إلى جانب الملف النووي، تبرز مسألة أقل صخبًا لكنها لا تقل أهمية: عائدات المرور عبر مضيق هرمز. طهران تسعى إلى تثبيت هذا المورد كمصدر دخل دائم بمليارات الدولارات سنويًا. وقد يكون التلويح بالتخلي عنه مجرد مناورة ذكية؛ تنازل شكلي عن امتياز لم يترسخ أصلًا إلا في ظل الحرب.
في المقابل، تراهن واشنطن على سلاح العقوبات. فالاقتصاد الإيراني، الذي كان يعاني أصلًا، تلقى ضربات إضافية مع استهداف البنية التحتية والصناعات الحيوية. إذن، تخفيف العقوبات قد يفتح الباب أمام إعادة الإعمار، لكنه قرار محفوف بالجدل داخل الولايات المتحدة، حيث ترتفع أصوات تطالب بإخضاع أي اتفاق لمراجعة الكونغرس.
ورغم كل العقبات، ثمة دوافع تدفع الطرفين نحو التفاؤل الحذر. في واشنطن، تحوّلت الحرب إلى عبء سياسي، مع تراجع التأييد الشعبي لها. وفي طهران، تبدو كلفة استئناف المواجهة أعلى بكثير من احتمال التهدئة. أي تصعيد جديد قد يوسّع دائرة الاستهداف لتشمل الاقتصاد الإيراني بشكل أعمق، ويقابله رد إقليمي قد يشعل أسواق الطاقة ويهزّ استقرارها.
الأسواق التقطت الإشارة سريعًا. فور إعلان الهدنة، تراجعت أسعار النفط بشكل حاد، وكأن القلق الذي خيّم على المتعاملين قد تبخّر فجأة. لكن هذا التفاؤل يبدو هشًا. الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا: الأضرار التي خلّفتها الحرب تحتاج إلى أشهر، لا أسابيع، لإصلاحها. خطوط الإمداد اضطربت، وناقلات النفط تفرّقت في مسارات بعيدة، وبعضها لا يزال مترددًا في العودة.

في النهاية، تبدو هذه الهدنة أقرب إلى فاصلة قصيرة في نصّ لم يُكتب ختامه بعد. فإذا فشلت مفاوضات إسلام ‌آباد في إنتاج اتفاق مستدام، فإن ما نشهده اليوم لن يكون أكثر من لحظة هدوء عابرة، سرعان ما تبتلعها ضوضاء الصراع من جديد.

Ali Zam

كاتب وصحافي سوري وخبير في الشؤون الإيرانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews