سوريا.. حين تستيقظ الجغرافيا

شبكة مراسلين
مقال بقلم: بارعة جمعة
لم تكن التحوّلات التي فجّرتها الحرب الإقليمية الأخيرة (بين أميركا و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى) مُجرّد إعادة ترتيب لموازين القوى العسكرية، بل كشفت عن واقع أعمق ظهر في هشاشة البُنية الجيوسياسيّة التي حكمت تدفّقات الطاقة والتجارة في الشّرق الأوسط لعقود، ومع اهتزاز أمن الملاحة في مضيق “هرمز”، لم يعد السؤال من يُسيطر على البحر!!، بل من يملك بديلاً عنه؟!.
في هذه اللّحظة تحديداً، عادت سوريا إلى الواجهة، لا كفاعل مُباشر في الصّراع، بل كحلّ جغرافي طال تهميشه، قبل أن تفرضه الضّرورة.
ما يجري اليوم ليس نتاج قرار سياسي مُفاجئ في دمشق، بل إعادة اكتشاف لموقع ظلّ ثابتاً عبر التاريخ، لكنه عُطّل بفعل الحرب والانقسام، ومع تبدّل البيئة الإقليمية، يُعاد قراءة هذا الموقع بوصفه نقطة ارتكاز مُحتملة لإعادة تشكيل مسارات الطاقة والتجارة.
أحد أبرز تجلّيات هذا التحوّل هو إحياء مشاريع كانت حتى وقت قريب أقرب إلى الذاكرة منها إلى الواقع، فالحديث عن سكّة الحديد الحجازية لم يعد حنيناً تاريخياً أو ضرباً من الخيال، بل جُزءاً من تصوّر لوجستيّ جديد، كما أن عملية ربط الشمال السوري بالشبكة التركية، ومن ثم بأوروبا، لا يمثل مجرّد مشروع نقل، بل إعادة رسم لخرائط التجارة، وفي النظر إلى رمزيّة هذا المشروع ضمن شبكة يمكن أن تمتد من حلب إلى دمشق، ثم إلى الأردن والعراق، نجد عملية إحياء لممرّات إقليميّة كانت الحرب قد قطّعتها.
التحوّل الأهم لم يحدث على الجبهات، بل في سلاسل الإمداد، حيث أن تهديد المسارات البحرية أعاد الاعتبار للبر، وفتح الباب أمام خيارات بديلة.
في هذا السّياق، لم تعد سوريا مُجرّد فكرة على الورق، بل مساراً يُختبر ـ ولو بشكل محدود ـ من خلال نقل النفط العراقي نحو المتوسط، هي خطوة صغيرة بحجمها، لكنها كبيرة بدلالاتها التي تُشير إلى أن البدائل بدأت تتشكّل.
لا يقتصر الأمر على النّفط، فما يُطرح اليوم يتجاوز ذلك نحو منظومة طاقة متكاملة، تشمل إعادة إحياء خطوط الغاز القديمة، وربما مستقبلاً إدماج مشاريع لنقل الهيدروجين، بما يواكب التحوّل العالمي نحو الطاقة النظيفة، هنا، لا تصبح سوريا مجرد ممر للطاقة التقليدية، بل جزءاً من شبكات المستقبل.
الأمر ذاته ينطبق على سلاسل الإمداد الأوسع، ففكرة إنشاء ممرّات بريّة سريعة لنقل الغذاء بين الخليج وشرق المتوسط، تعكسُ إدراكاً مُتزايداً لمخاطر الاعتماد المُفرط على النقل البحري.
ضمن هذا التّصوّر، تتحول سوريا إلى عُقدة لوجستيّة مُتعددة الوظائف، تجمع بين الطاقة والتجارة والغذاء في شبكة واحدة.
وفي قلب المشهد، يبرز نموذج تكاملي مُحتمل… العراق كمصدر طاقة، سوريا كممر جغرافي، ولبنان كامتداد لوجستي عبر مرافئه، إذا تحقّق هذا النموذج، فإنه لا يُعيد فقط رسم مسارات الإمداد، بل يُعيد تعريف شرق المتوسط من ساحة صراع إلى فضاء عُبور.
بين النّظرية والتطبيق مسافة مُعقّدة، فالعقوبات الدوليّة، وتعدد مراكز النفوذ داخل سوريا، وتعقيدات التوازنات الإقليمية، كلها عوامل تجعل من تحويل هذا التصوّر إلى واقع مهمة سياسية بقدر ما هي اقتصادية، فالجغرافيا قد تفتح الباب، لكنها لا تكفي لعبوره.
سوريا اليوم تقف عند مُفترق حاسم، إما أن تبقى فكرة جذّابة في تقارير الاستراتيجيا، أو أن تتحوّل فعليّاً إلى عقدة إقليمية تُعيد وصل الشرق بالغرب، والفارق بين المسارين لن تصنعه الخرائط، بل القرارات.
ومع ذلك، هناك حقيقة يصعب تجاهلها… سوريا لم تعد خارج الحسابات، وفي شرق أوسط يتغير بسرعة، قد يكون هذا بحد ذاته بداية التحوّل.



