الهجرة إلى أوروبا… وعود كاذبة وواقع لا يرحم

محمد محمود الشيباني – بروكسل
تنتشر على الإنترنت، خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، موجة واسعة من المعلومات المغلوطة حول الهجرة إلى أوروبا، يقف وراء جزء كبير منها مهاجرون عرب يروجون لصورة وردية لا تعكس الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في القارة العجوز.
خلال الأشهر الأخيرة، تكررت مقاطع وتصريحات تزعم أن دولا أوروبية تعاني نقصا هائلا في السكان وتحتاج إلى ملايين المهاجرين. من بين أكثر الادعاءات تداولا القول إن إسبانيا تحتاج إلى أربعة وعشرين مليون مهاجر، في وقت تشير فيه الأرقام الرسمية إلى عكس ذلك تماما. فإسبانيا تسجل منذ سنوات معدلات بطالة مرتفعة، تجاوزت اثني عشر في المئة، وترتفع بين الشباب إلى ما يقارب سبعة وعشرين في المئة، ما يجعل سوق العمل مشبعا وغير قادر على استيعاب الوافدين الجدد.
وفي الوقت الذي يتم فيه الترويج لحاجة الاقتصاد الإسباني إلى المهاجرين، تواصل السلطات هناك تنفيذ عمليات ترحيل، وتشديد قوانين الإقامة والعمل، مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد الهجرة غير النظامية، وارتفاع ملحوظ في شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة التي جعلت من ملف الهجرة شعارا رئيسيا لها.

ولا يقتصر التضليل على إسبانيا، إذ يعمم بعض المهاجرين فكرة أن معظم الدول الأوروبية تحتاج إلى يد عاملة بشكل عاجل، متجاهلين أن هذه الحاجة، عندما توجد، تكون محدودة جدا ومقيدة بشروط صارمة، وتخص قطاعات معينة ومؤهلات محددة لا تنطبق على أغلب المهاجرين غير النظاميين.
وفي البرتغال، التي يصورها بعضهم كجنة للحصول على الإقامة، يكشف الواقع الاقتصادي صورة مختلفة. فالبلاد تعاني ضعفا في النمو، وارتفاعا في كلفة المعيشة، وأجورا من بين الأدنى في أوروبا الغربية، إضافة إلى أزمة سكن خانقة دفعت الحكومة إلى تشديد شروط الإقامة ولم الشمل، تحت ضغط شعبي متزايد.
وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن القارة تواجه تباطؤا اقتصاديا عاما، مع ارتفاع معدلات التضخم في السنوات الأخيرة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما غذى صعود اليمين المتطرف في دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا، حيث بات الخطاب المعادي للهجرة جزءا من السياسات العامة.

وفي سياق أوسع، يبرز الدور المتعاظم للإعلام والثقافة في مواجهة السرديات المضللة التي يمكن أن تغيّر مصائر الأفراد والمجتمعات. فخطورة المعلومات غير الدقيقة لا تقف عند حدود التضليل المعرفي، بل قد تدفع آلاف الشبان العرب إلى المجازفة بحياتهم ومدخراتهم استنادًا إلى وعود لا تعكس الواقع، ليصطدموا عند الوصول ببطالة مرتفعة، ووضع قانوني هش، وتجارب إقصاء وتمييز، فضلًا عن ضغوط وملاحقات إدارية متواصلة.
وتُظهر المعطيات الراهنة أن القارة الأوروبية لا تمر بمرحلة انفتاح على الهجرة بقدر ما تتجه إلى مزيد من التشدد وإعادة ضبط سياساتها، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى خطاب إعلامي وثقافي مسؤول ينقل الحقائق كما هي، بدل تسويق الأوهام والاتجار بآمال اليائسين، في زمن باتت فيه المعلومة المضللة أسرع انتشارًا من الحقيقة.



