
بارعة جمعة – مراسلين
بعد مُضي أكثر من 13 عاماً من الحرب المدمرة على سوريا، يواجه الشعب السوري تحديات ضخمة تتمثل في إعادة بناء ما دمرته آلة النزاع، التي فتكت بكل ما يمكن استثماره للبدء من جديد.
كما أفادت تقارير البنك الدولي والتي كان آخرها في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2025 بأن كلفة إعادة الإعمار في سوريا تُقدّر بحوالي 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الكارثة التي حلّت بالبنية التحتية والاقتصاد السوري.
وبالرغم من كل الضغوط الاقتصادية والسياسية، تظل هناك فرصة حقيقية للمجتمع الدولي للمشاركة في إعادة إعمار سوريا وإعادة الأمل لملايين السوريين ،الذين فقدوا منازلهم وأحلامهم، ولجؤوا لمخيمات القهر والوجع، حاملين معهم ما تبقى من ذكريات منازل بقيت أثراً بعد عين.
216 مليار دولار.. تقدير ضخم ودمار هائل
وتوقع التقرير أن تتراوح تكاليف إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بين 140 و345 مليار دولار، وأن أفضل تقدير متحفظ يبلغ 216 مليار دولار. وتشمل هذه التكلفة 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية. ومن المتوقع أن تحتاج محافظتا حلب وريف دمشق إلى النسبة الأكبر من استثمارات إعادة الإعمار.

دمار البنية التحتية.. نحو 52 مليار دولار لإعادة البناء
من بين الأضرار الهائلة، كانت البنية التحتية هي الأكثر تعرضاً للتخريب الممنهج وسياسة تدمير البشر والحجر، حيث قدر البنك الدولي خسائرها بحوالي 52 مليار دولار، ما يشكل نحو 48 بالمئة من إجمالي الأضرار.
تشمل هذه الخسائر: شبكات الكهرباء، المياه، الطرق، وغيرها من المنشآت الحيوية التي تعتبر أساساً في أي عملية إعادة بناء اقتصادية واجتماعية، خسائر تجعل عملية استعادة الحياة الطبيعية في سوريا أكثر تعقيداً وتتطلب دعماً خارجياً بمستويات غير مسبوقة.
ما بعد رفع العقوبات عن سوريا!!
سابقاً.. وجدت الإدارات السياسية من فرض العقوبات على سوريا بالإضافة إلى الدمار الهائل، عائقاً سياسياً واقتصادياً آخر يعترض طريق إعادة الإعمار، أما اليوم وبعد إزالة العقوبات الدولية ورفع قانون قيصر، يتساءل مراقبون عن قدرة سوريا في جذب الاستثمارات اللازمة وفتح قنوات التعاون مع الدول الكبرى!!
بالمقابل.. تساءل الرئيس السوري أحمد الشرع “كيف يمكن للعالم أن يشاهد هذه الكارثة طوال 14 عاماً ثم يرفض تقديم الدعم اليوم؟!”
نعم التمويل الدولي شرط أساسي للتعافي، كما أنه بات من الواضح بأن دعم المجتمع الدولي سيكون حاسماً في عملية إعادة الإعمار، كما أنه اشترط إلغاء العقوبات وتحقيق توافق دولي حول ضرورة مساعدة سوريا في تخطي الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ما جعل من ملف إعادة الإعمار أكثر الملفات حساسية في الأوساط الدولية، كما أن التصريحات الرسمية تدعو إلى استعادة العلاقات بين سوريا والعالم ورفع العقوبات هي إشارة واضحة إلى أن المشاركة الدولية هي السبيل الوحيد لنجاح العملية.

إعادة بناء الأمل.. أكثر من مجرد حجر
أما اليوم، فمن الضروري التأكيد على أن إعادة إعمار سوريا ليست فقط قضية بنية تحتية، بل هي أيضاً مسألة إنسانية ونفسية، فالأجيال التي نشأت في ظل الحرب بحاجة لمعالجة جراحها النفسية، وإعادة الثقة في المستقبل. لذلك، لا يمكن أن تقتصر عملية إعادة الإعمار على بناء المنازل فقط، بل يجب أن تشمل إعادة بناء المجتمع ذاته.
إعادة الإعمار من وجهة نظر الدولة السورية
“لامركزية و تشاركية”.. هو ما أكده وزير الإدارة المحلية والبيئة السوري محمد عنجراني، عبر التأكيد على أن التخطيط لإعادة الإعمار سيعتمد على اللامركزية ومشاركة المجتمعات المحلية، عبر مجالس مُنتخبة من قبلها، فمن وجهة نظره، يجب إشراك المواطنين في تحديد الأولويات وتخطيط المشاريع في كل منطقة، بما يضمن استدامة الحلول وملاءمتها لاحتياجات المجتمع المحلي.
هذا النهج لا يقتصر على تحسين البنية التحتية، بل يعزز أيضاً دور المواطنين في صُنع القرار، ويحوّل ملف إعادة الإعمار إلى مشروع تشاركي يساهم فيه السوريون بشكل فعلي في إعادة بناء وطنهم.

هل ستستجيب القوى العالمية؟
“التحديات هائلة، لكن البنك الدولي على استعداد للعمل جنباً إلى جنب مع الشعب السوري والمجتمع الدولي لدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار”، اعترافٌ صريح حول أهمية مساهمة المجتمع الدولي في هذا الملف الحساس قدّمه المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف كاريه، مبيناً أن الالتزام الجماعي والعمل المُنسّق واعتماد برنامج دعم شامل ومُنظّم أمرٌ بالغ الأهمية لمساعدة سوريا على المضي نحو التعافي وتحقيق التنمية طويلة الأجل.
في النهاية، لا يمكن لسوريا أن تتعافى بمفردها، إعادة الإعمار تتطلب دعماً عالمياً حقيقياً، يتجاوز الأرقام والنقاشات السياسية، كما أن السوريون يستحقون فرصة جديدة للعيش بسلام وأمان في بلدهم، ويجب أن يكون العالم جاهزاً للإجابة على هذا النداء.
وبما أن المجتمع الدولي قد وقف صامتاً على مآساة سوريا على مدار سنوات، فإن الوقت قد حان ليقف إلى جانبها في مرحلة إعادة البناء، كما يشكل ملف إعادة إعمار سوريا فرصة حقيقية للعمل الجماعي، من أجل مستقبل أفضل للجيل السوري، وخطوة نحو تعويض الشعب السوري عن خسائره المتلاحقة التي لم تنته بانتهاء الحرب.



