خلف الحدود … كيف أعادت “قواعد المسيرات” رسم خارطة الحرب في السودان؟

مصعب محمد- خاص مراسلين
القاهرة- أديس أبابا- منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل/نيسان 2023 أصبحت الطائرات المسيّرة سلاحا فعالا في الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ومع طول أمد الصراع وفي ظل غياب أي مؤشرات لنصر عسكري حاسم لأحد الطرفين،لم يعد الصراع السوداني مجرد مواجهات محلية بين جنرالات الحرب، بل تحول إلى “صراع إقليمي تقني” تُديره قواعد سرية ومراكز تدريب عابرة للحدود، وجاءت هجمات الطيران المسيّر في الآونة الأخيرة، والتي تنشط بشكل واضح في مناطق عدة في إقليم كردفان وإقليم دارفور غربي السودان والتي استهدفت مواقع مدنية بالإقليم كان آخرها مسيد لتحفيظ القرآن الكريم ومدرسة ثانوية و قافلة مساعدات إنسانية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي. و مع تجاوز حرب السودان يومها الألف لم تعد القوى الإقليمية تراقب فحسب؛ بل باتت تنخرط بشكل مباشر بضرب أهداف عسكرية داخل الأراضي السودانية.

«شرق العوينات».. منصة الشمال وصراع «المنصات العابرة للأفق»
كشف تقرير استقصائي مصور لصحيفة “نيويورك تايمز” عن كواليس الدعم اللوجستي والجوي الذي يتلقاه الجيش السوداني، مسلطاً الضوء على قاعدة “شرق العوينات” الجوية الواقعة في أقصى جنوب مصر، وسط مشروع زراعي في الصحراء الغربية للبلاد ، و قرب المثلث الحدودي الاستراتيجي مع ليبيا والسودان. وأظهر التقرير، المدعوم بصور الأقمار الصناعية وتتبع حركة الملاحة الجوية، أن القاعدة تحولت إلى “غرفة عمليات” ومنصة انطلاق رئيسية للطائرات المسيّرة من طراز أكنجي تركية الصنع. وبحسب التحقيق، فإن هذه الطائرات التي تنطلق من العمق المصري لعبت دوراً حاسماً في تغيير موازين القوى من خلال توجيه ضربات دقيقة استهدفت مراكز ثقل وقنوات إمداد لقوات الدعم السريع، فيما تواصل طائرات عسكرية وطائرات شحن تركية الهبوط في القاعدة المصرية؛ مما يضع هذه القاعدة في قلب معادلة الصراع الجوي العابر للحدود.

محور «بني شنقول».. رئة الدعم السريع و«توازن الردع الرقمي»
وفي المقابل ، كشفت وكالة “رويترز” في تحقيق ميداني موسع عن “دليل مباشر” يربط الجارة إثيوبيا بالصراع السوداني؛ حيث رصدت الوكالة وجود معسكر تدريب سري يضم آلاف المقاتلين التابعين لـ قوات الدعم السريع في منطقة “منغي” النائية بإقليم بني شنقول-قمز ، على بعد نحو 32 كيلومتراً من الحدود السودانية.
وأشارت التقارير، المستندة إلى صور الأقمار الصناعية ومذكرات استخباراتية إثيوبية مسربة، إلى أن المعسكر الذي بدأ نشاطه يتصاعد منذ أكتوبر الماضي، يُدار بتمويل لوجستي وإشراف فني من دولة الإمارات العربية المتحدة، ويضم نحو 4300 مقاتل يخضعون لتدريبات عسكرية مكثفة. وما يزيد من خطورة هذا الموقع هو اقترانه بأعمال تطوير متسارعة في مطار أسوسا القريب، الذي تحول إلى مركز لعمليات “المنصات العابرة للأفق” (الطائرات المسيّرة)، مع إنشاء محطات تحكم أرضية وهوائيات اتصال بالأقمار الصناعية.
ويرى محللون عسكريون أن هذا المحور الشرقي بات يمثل “رئة بديلة” لإمداد الدعم السريع بالجنود والتقنيات الجوية، بعد الاستهداف المستمر لامدادها العسكري القادم من الحدود مع تشاد وليبيا ؛ مما يفسر قدرة هذه القوات على فتح جبهات جديدة في ولاية النيل الأزرق واستهداف القوافل الإنسانية في عمق الأراضي السودانية باستخدام الطائرات المسيّرة التي تدار من وراء الحدود.

«توازن الردع الرقمي».. السودان بين «المظلة» الإثيوبية و«المنصات» المصرية
ويرى خبراء استراتيجيون تحدثوا ل”مراسلين” أن لجوء القاهرة لخيار “القواعد المستترة” في شرق العوينات يعكس رغبة مصرية حذرة في حماية أمنها القومي دون الانزلاق إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة مع حلفائها الإقليميين؛ فبينما تحلق مسيّرات “أكينجي” التركية المنطلقة من الأراضي المصرية لضرب أهداف الدعم السريع في إقليم دارفور على بُعد 800 ميل، تظل القاهرة متمسكة بـ”شعرة معاوية” في علاقاتها الاستثمارية الضخمة مع شركائها الإقليميين. إلا أن سقوط مدينة الفاشر في أواخر أكتوبر 2025 مثّل “نقطة التحول” التي جعلت من استهداف “المنصات العابرة للأفق” أمراً حتمياً لمنع “تفتت الدولة السودانية”.
وفي هذا السياق، يضع الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء محمد الصمادي، النقاط على الحروف فيما يخص المحور المقابل، مؤكداً أن معسكرات “بني شنقول” في إثيوبيا تمثل رداً استراتيجياً لتوفير “مظلة حماية” وتدريب تقني لمقاتلي الدعم السريع، في محاولة لخلق حالة من “توازن الردع الرقمي”. ويرى الصمادي أن هذا التقابل بين قاعدة العوينات شمالاً وبني شنقول شرقاً قد حوّل السودان إلى مسرح لـ”حرب استنزاف تكنولوجية”، حيث تُدار المعارك بإحداثيات عابرة للحدود، ما أدى في نهاية المطاف إلى تحويل الممرات الإنسانية وقوافل الإغاثة إلى أهداف مكشوفة ضمن بنك أهداف “الموت الصامت”، وهو ما دفع قوات الدعم السريع لإصدار تهديدات علنية على لسان قائدها محمد حمدان حميدتي باعتبار أي مطار تنطلق منه هذه المسيّرات “هدفاً مشروعاً لها”.

«المقبرة المفتوحة».. حين تتحول الإحداثيات إلى فاتورة دم وحقوق
وعلى وقع أزيز الطائرات المسيّرة، تحولت الأراضي السودانية إلى ما يشبه “المقبرة المفتوحة”، حيث كشف بيان حقوقي مشترك ل62 منظمة دولية وسودانية عن أرقام كارثية تضع الصراع السوداني في المرتبة الثانية عالمياً من حيث الدموية بعد الحرب الأوكرانية. فمنذ اندلاع النزاع، يُقدر إجمالي الوفيات بما لا يقل عن 150 ألف شخص، بينهم 17 ألفاً قُتلوا في عام 2025 وحده، في ظل تقاعس دولي وصفه الحقوقيون بـ”ازدواجية معايير مدمرة”.
ولم تكتفِ آلة الحرب بحصد الأرواح، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي عبر توظيف العنف الجنسي كـ”تكتيك حربي” ممنهج، حيث رصدت التقارير الأممية أكثر من 390 حالة اغتصاب جماعي، بينما تُشير الوقائع الميدانية في دارفور وكردفان والجزيرة إلى ارتكاب جرائم تصل إلى حد “الإبادة الجماعية” والتطهير العرقي. وفي مفارقة وصفت بالمأساوية، تحول القضاء السوداني من منصة للعدالة إلى “سلاح لتجريم العمل الإنساني”، عبر إصدار أحكام إعدام استناداً إلى “أدلة ملفقة أو دوافع انتقامية” . ومع سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي، دخلت الأزمة الإنسانية مرحلة “المجاعة الشاملة”، حيث يواجه أكثر من 21 مليون سوداني انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما نزح نحو 13 مليون شخص، ليخلف “سباق القواعد” أكبر مأساة نزوح قسري في التاريخ الحديث، وسط صمود أسطوري لـ”غرف الطوارئ” الشبابية التي باتت تمثل خط الدفاع الأخير عن بقاء السودانيين على قيد الحياة”.

مستقبل «الأشلاء الجغرافية».. هل تطفئ السياسة «الموت الصامت»؟
«ومع تحول السودان إلى “مختبر مفتوح” لأحدث تقنيات الحروب الحديثة، يبقى السؤال الجوهري معلقاً فوق أنقاض المدن المحترقة: هل تنجح الضغوط الدولية في كبح جماح “حرب القواعد” المتمددة؟ إن المشهد الراهن يشير إلى أن الصراع السوداني لم يعد صراعاً سودانياً خالصاً ، بل أضحى رهينة لتقاطعات المصالح الإقليمية التي تجد في الساحة السودانية فرصة لتجريب أسلحتها ونفوذها بعيداً عن أراضيها ومدنها الهادئة.
وبينما تبدو آفاق الحل السياسي مسدودة بأدخنة المدافع و المسيّرات المنطلقة من “العوينات” و”بني شنقول”، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام اختبار أخلاقي وقانوني؛ فإما فرض حظر حقيقي وفعال يمنع تدفق “الموت الرقمي” العابر للحدود، أو ترك السودان يغرق في “حرب استنزاف” قد لا تنتهي إلا بتحويله إلى أشلاء جغرافية وإنسانية. وفي نهاية المطاف، يبقى الأمل معقوداً على صمود السودانيين وقدرتهم على استعادة بلادهم من قبضة “الإحداثيات” العسكرية، قبل أن يكتب “الموت الصامت” الكلمة الأخيرة في تاريخ بلد كان يوماً سلة غذاء العالم، فأصبح اليوم ضحية لجوعه وصراعات معقدة فوق سمائه”.



