
ضيف الله الطوالي – مراسلين
في لحظة فارقة من عمر الأزمة اليمنية، بدأت ملامح المشهد العسكري في المحافظات الشرقية لليمن تتغير. فحركة الطيران في مطار الريان لم تكن مجرد طائرات شحن عسكرية تهبط وتقلع، بل كانت إيذاناً بنهاية فصل وبداية آخر في علاقة “الشركاء” المعقدة.
“ساعة الصفر” في الريان وبلحاف
دوت صفارات الإنذار في مطار “الريان” الدولي بمحافظة حضرموت، ليس لاستقبال رحلة مدنية، بل إيذاناً ببدء عملية إخلاء واسعة. وعلى وقع هدير محركات طائرات النقل العسكرية، بدأت القوات الإماراتية بتفكيك أجهزة الاتصالات في معسكر “مُرّة” بشبوة، وحزم حقائب الرحيل من منشأة “بلحاف” الحيوية. هذا المشهد، الذي أكده محافظ حضرموت “سالم الخنبشي”، عكس حالة من الاستنفار اللوجستي غير المسبوق لإنهاء وجود عسكري استمر لسنوات.
مرسوم رئاسي ينهي “الدفاع المشترك”
هذا التحرك الميداني المتسارع لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استجابةً لقرار سيادي حازم اتخذه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور “رشاد العليمي”. بقرار وصفه مراقبون بـ”الشجاع”، ألغى العليمي اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، مانحاً قواتها مهلة لم تتجاوز الـ24 ساعة للمغادرة. كان الخطاب الرئاسي واضحاً ولا يحتمل التأويل: “اليمن أمام مفترق طرق؛ إما دولة واحدة بقرار واحد، أو فوضى مفتوحة لن تتوقف عند الحدود”.
انسحاب “الإرادة” أم استجابة للسيادة؟
في المقابل، صاغت أبوظبي مشهد خروجها بلغة دبلوماسية هادئة، حيث أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية سحب قواتها “بمحض إرادتها” وبالتنسيق مع الشركاء. وبينما تؤكد الإمارات أن القرار جاء بعد تقييم شامل لمتطلبات المرحلة واستكمال المهام، يرى الشارع اليمني في التوقيت انعكاساً لضغوط السيادة التي فرضها مجلس القيادة الرئاسي لإنهاء ما وصفه العليمي بـ”السلطات الموازية” التي تقوض مؤسسات الدولة.
تشكيلات بلا غطاء وسلاح يرحل
اللافت في تفاصيل الانسحاب، وفقاً لمصادر مطلعة، هو قيام القوات المغادرة بسحب كافة الأسلحة والمعدات التي كانت قد منحتها لقوات “الدعم الأمني” التابعة للمجلس الانتقالي. هذا الإجراء ترك تلك التشكيلات في وضع حرج، مجردة من التسليح الإماراتي الذي كان يشكل ركيزتها الأساسية، مما يفتح الباب أمام تساؤلات كبرى حول مستقبل السيطرة الأمنية في حضرموت والمهرة، خاصة في ظل رفض الانتقالي السابق لسحب قواته.
استعادة المركز القانوني للدولة
يأتي هذا التحول الكبير في وقت يحاول فيه اليمن الحفاظ على مركزه القانوني ووحدة قراره العسكري والأمني. وبينما رحبت كيانات وطنية كـ”العصبة الحضرمية” و”هيئة علماء اليمن” بهذه الخطوات، يبقى التحدي الأكبر أمام مجلس القيادة الرئاسي هو سد الفراغ الأمني ومنع انزلاق المناطق المحررة نحو نموذج “تفكك الدولة”، وضمان أن يكون السلاح تحت راية وطنية واحدة تواجه التهديدات الوجودية التي تتربص بالبلاد.



