الرئيسيةسياسة

اتفاقيات ابراهام أمام اختبار المتانة: قراءات إسرائيلية في ظل الضغوط على الإمارات

ابوبكر ابراهيم اوغلو

أثار تصاعد الجدل السياسي والإعلامي المحيط باتفاقيات أبراهام موجة من التساؤلات حول طبيعة التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، وحدود التزام أطرافها في أوقات التوتر. ويأتي هذا النقاش في ظل بيئة إقليمية متغيرة، تتراجع فيها الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية لصالح مقاربات تقوم على المصالح والصفقات، وسط تحديات أمنية واقتصادية متداخلة.

وفي هذا السياق، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كأحد أبرز الأطراف المعنية بهذا الجدل، في ظل الضغوط التي تتعرض لها على خلفية خياراتها الاستراتيجية المرتبطة باتفاقيات أبراهام. وقد أعادت هذه التطورات طرح تساؤلات حول قدرة الاتفاقيات على الصمود، وما إذا كانت تشكل إطارًا تحالفيًا فعليًا أم مجرد ترتيبات سياسية قابلة للتآكل عند أول اختبار.

جدل حول معنى التحالف

تطرح التحليلات الإسرائيلية تساؤلًا جوهريًا حول مفهوم التحالف في المرحلة الراهنة: فهل يُقاس التحالف بتلاقي المصالح في فترات الاستقرار فقط، أم بمدى الاستعداد لتحمل كلفة سياسية ودبلوماسية عند تعرض أحد الشركاء للضغط؟ وترى هذه التحليلات أن الهجوم على أي دولة بسبب انضمامها إلى الاتفاقيات يمثل اختبارًا مباشرًا لجدية الإطار التحالفي.

وفي هذا الإطار، يُشار إلى أن توصيف “الارتباط بإسرائيل” يُستخدم أحيانًا كأداة ضغط سياسي، ما يجعل الاتفاقيات أمام اختبار عملي يفرض توضيح معناها وحدودها في المشهد الإقليمي.

من منطق المعسكرات إلى منطق المصالح

وتضع القراءات الإسرائيلية هذا الجدل ضمن تحول أوسع تشهده المنطقة، حيث لم يعد الشرق الأوسط يُدار وفق قاعدة “عدو عدوي صديقي”، بل انتقل تدريجيًا إلى منطق قائم على المصالح المتبادلة والصفقات العملية. ولم يعد السؤال المطروح هو “مع أي محور تقف الدولة”، بل “ما الذي تقدمه من قيمة سياسية أو اقتصادية أو أمنية”.

وتشير هذه التحليلات إلى أن الضغوط الأمنية، والشكوك بشأن الضمانات الأميركية، إلى جانب تنامي دور الاقتصاد والتكنولوجيا في السياسة الخارجية، أسهمت في تراجع الأيديولوجيا كعامل حاسم، ودفعت الدول إلى الانخراط في مسارات متعددة ومتوازية في آن واحد.

الإمارات في صلب القراءة الإسرائيلية

وفي هذا السياق، تحتل دولة الإمارات موقعًا محوريًا في التحليل الإسرائيلي، بوصفها من أوائل الدول التي انخرطت في اتفاقيات أبراهام وتحملت تبعاتها السياسية. وتلفت هذه التحليلات إلى أن أبوظبي حافظت على علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل حتى خلال فترات تصعيد إقليمي، بما في ذلك الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، دون تعليق التعاون القائم.

كما تشير إلى أن الإمارات واصلت، في الوقت ذاته، نشاطها في المجال الإنساني، بما في ذلك إيصال المساعدات إلى قطاع غزة عبر قنوات متعددة، وهو ما يُقدَّم في هذه القراءات كدليل على التزامها بخياراتها السياسية مع محاولة الحفاظ على توازن في مواقفها الإقليمية.

سياق إقليمي متغير

ولا يركّز هذا التحليل على المملكة العربية السعودية بقدر ما يتناول تغير أولويات المشهد الإقليمي. وتوضح القراءات الإسرائيلية أن المنطقة تشهد مسارات متوازية، من بينها سعي الرياض إلى تطوير ترتيبات أمنية جديدة، وتراجع الافتراض القائل بأن إسرائيل تمثل القناة الأساسية للوصول إلى واشنطن، إلى جانب تنامي التنافس السعودي–الإماراتي في أكثر من مجال.

ورغم ذلك، تشير هذه التحليلات إلى أن احتمال انخراط السعودية في اتفاقيات أبراهام لا يزال قائمًا، إلا أن التركيز الحالي ينصبّ على اختبار متانة الإطار القائم قبل أي توسع محتمل.

دعوات إسرائيلية لتفعيل الاتفاقيات

وترى تحليلات إسرائيلية أن الضغوط التي تواجهها الإمارات تجعلها هدفًا لمحاولات التشكيك في جدوى اتفاقيات أبراهام وقدرتها على حماية شركائها. وفي هذا السياق، يدعو كتّاب ومحللون إسرائيليون إلى تفعيل الاتفاقيات بصورة أكثر وضوحًا، عبر تعزيز التنسيق السياسي، وإبراز القيمة العملية للتعاون في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد.

كما تؤكد هذه الدعوات، من المنظور الإسرائيلي، ضرورة إظهار التزام علني تجاه الشركاء المنخرطين في الاتفاقيات، بما يفرض كلفة سياسية ودبلوماسية على محاولات نزع الشرعية عنهم.

الدور الأميركي في الحسابات الإسرائيلية

وتبرز الولايات المتحدة في هذه القراءات بوصفها عاملًا حاسمًا في مستقبل اتفاقيات أبراهام، باعتبارها الراعي الرئيسي لها. وترى التحليلات الإسرائيلية أن مستقبل الاتفاقيات يرتبط بمدى وضوح الدعم الأميركي لشركائها، في ظل علاقات واشنطن المتوازية مع أطراف إقليمية تتبنى مواقف متحفظة أو معارضة لمسار التطبيع.

وتشير هذه التحليلات إلى أن أدوات النفوذ الأميركية، بما في ذلك الحوافز المقدمة لبعض دول المنطقة، قد تؤثر في مسار الاتفاقيات، لكنها تبقى مرهونة بتكاملها مع مواقف سياسية واضحة في أوقات الأزمات.

وتخلص القراءات الإسرائيلية إلى أن المرحلة الراهنة تمثل اختبارًا حاسمًا لقدرة اتفاقيات أبراهام على التحول إلى إطار تحالفي أكثر تماسكًا واستدامة. وفي حين تبقى احتمالات التوسع قائمة، يرى محللون أن الأولوية الحالية تكمن في تعزيز صلابة الاتفاقيات القائمة، وضمان قدرتها على الصمود في مواجهة الضغوط الإقليمية المتزايدة.


bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews