تقارير و تحقيقات

أكثر من سبعين ألف شهيد في غزة … ولا رادع لإسرائيل عن انتهاكاتها المستمرة


كتائب عزالدين المصري _ مراسلين


أصدرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة تحديثها الرسمي بتاريخ 28 يناير 2026 حول حصيلة الشهداء، وأعلنت أن إجمالي عدد الشهداء الذين قُتلوا منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023 بلغ حوالي 71,667 شهيدًا، بينما بلغ عدد المصابين حوالي 171,343 مصابًا.


وأوضحت الوزارة أن الأرقام لا تشمل الأشخاص المفقودين تحت الأنقاض، وأن فرق الطواقم ما تزال تعمل على توثيق الحالات وسط صعوبات كبيرة في الوصول إلى بعض المناطق.


ردود إسرائيلية على أرقام الشهداء


وبعد أن كان كبار الجيش الإسرائيلي يرفضون أرقام الشهداء المُعلنة من قبل الجهات الفلسطينية، ويصفونها عبر الإعلام بأنها أرقام مبالغ فيها أو مُسيّسة، ويركزون على أن وزارة الصحة في غزة تُدار من قبل حركة حماس، صدر تصريح عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين في الجيش:


«في عام 2025 وُلد في غزة نحو 60 ألف طفل، أي أكثر بـ10 آلاف من المعدل السنوي»، وأضافوا: «خلال الحرب قُتل، بحسب تقديراتنا، نحو 70 ألف غزي، دون احتساب المفقودين، ونحن نعمل حالياً على تصنيف القتلى بين مسلحين وغير مشاركين».


وجاءت هذه الإحصاءات لافتةً للنظر وتدل على أن الجيش يتبنى رسمياً تقارير وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، وهي الهيئة الوحيدة التي تنشر تقارير إحصائية عن عدد القتلى الفلسطينيين من جراء الحرب الإسرائيلية. وقد سبق وقالت مصادر عسكرية في تل أبيب إن هذه الإحصاءات ذات مصداقية، لكن هذه أول مرة يُنشر هذا الموقف الإسرائيلي بشكل علني.


الهدنة تحت خط النار


وعلى الرغم من هذا الاعتراف الاسرائيلي بهذا العدد الكبير من الشهداء الذين جلهم من الأطفال والنساء والشيوخ إلا أن إسرائيل لا زالت تواصل خروقات الهدنة التي لم تكن اختراقات معزولة أو أخطاء ميدانية، بل جاءت كامتداد طبيعي لمسار دولي معطوب، تُغيب فيه المحاسبة وتُدار فيه العدالة بميزان السياسة لا بميزان القانون.
في الوقت الذي يُفترض أن تشكّل الهدنة حماية للمدنيين، تحوّلت عمليًا إلى غطاء هشّ يواصل تحته آلة القتل عملها، فيما يقف العالم متفرجًا، وتكتفي منظومة العدل الدولية بتسجيل الملاحظات.


والهدنة على الأرض تُخترق بالقصف، وإطلاق النار، والتوغلات المحدودة، ومنع المساعدات، دون أن يقابل ذلك أي إجراء دولي حاسم. لا عقوبات، لا لجان طوارئ، ولا حتى تفعيل فعلي للتدابير التي أصدرتها محكمة العدل الدولية. هكذا تُفرَّغ الهدنة من معناها، وتتحول من أداة لحماية المدنيين إلى استراحة تكتيكية للجيش الإسرائيلي.


محكمة العدل الدولية وصمت المجتمع الدولي


أقرت محكمة العدل الدولية بخطورة ما يجري، وأصدرت تدابير احترازية، لكن ما لم تقترن هذه التدابير بآليات تنفيذ وضغط سياسي، فإنها تبقى بيانات قانونية معلّقة في الهواء. صمت المجتمع الدولي عن خرق هذه التدابير جعلها أشبه بوثيقة حسن نية لا أكثر، ورسّخ قناعة لدى إسرائيل بأن القانون الدولي يمكن تجاوزه دون عواقب.


الاعتراف الذي لا يُدين صاحبه


في أي سياق آخر يُعدّ اعتراف جيش ما بحصيلة قتلى بهذا الحجم مقدمة لمحاسبة، أو على الأقل لهزّة داخلية. أما في الحالة الإسرائيلية، فقد جاء الاعتراف باردًا، بلا اعتذار، وبلا فتح تحقيقات جدية، وكأنه يقول للعالم: نعم قتلنا، وماذا بعد؟ هذا الاعتراف لم يكن ليحدث لولا شعور متراكم بالحصانة، حصانة صنعتها ازدواجية المعايير، وحمتها الفيتوهات، ورعتها عواصم كبرى قررت أن ترى القانون بعين واحدة.


قتل بلا تكلفة وعرقلة الإمدادات


في ظل غياب الرادع القانوني، لا زال الجيش الإسرائيلي يمارس كافة أنواع التجاوزات للمواثيق والقوانين الدولية. وبعد كافة العراقيل التي يضعها الجيش الإسرائيلي في طريق فتح معبر رفح، كشفت مصادر مطلعة في تل أبيب عن مساعٍ لدى القيادة العسكرية لعرقلة إدخال شاحنات الإمدادات إلى قطاع غزة، بزعم أن الوضع القائم «يخدم حركة حماس».
وقالت هذه المصادر إن مسؤولين كبارًا في المؤسسة العسكرية يدفعون نحو استئناف الحرب، لأنهم يرون أن «حماس» تواصل التعافي، وسترفض التخلي عن سلاحها. وبحسب تقرير لصحيفة يديعوت أحرونوت، يتضح أن القيادات العسكرية تنافس اليمين المتطرف في الحكومة، بقيادة الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، في عرقلة خطة إنهاء الحرب وفتح آفاق سياسية.


وقال مسؤولون في الجيش الإسرائيلي إن إدخال نحو 4200 شاحنة إمدادات أسبوعيًا إلى غزة «ينبغي أن يتوقف فورًا»، بزعم أنها تُشكّل جزءًا من «التنازلات» المرتبطة بالمرحلة الأولى من الاتفاق، مُحذِّرين من أن استمرار هذا الواقع سيقود إلى «استئناف القتال».


حين تُخترق الهدنة دون محاسبة، وحين تُنتهك أوامر محكمة دولية دون ردّ، وحين يُعترف بعشرات آلاف القتلى دون مساءلة… يظل السؤال: من سيحاسب؟
سبعين ألف شهيد في غزة ليسوا أرقامًا على ورق، بل أرواح فقدها عالم صامت، وجرح سيظل ينزف في ذاكرة شعبٍ يصر على البقاء رغم كل آلة القتل والظلم المستمر.

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews