اليمنتقارير و تحقيقات

عدن… واقع التعدد الديني بين الإهمال وصراع الملكيات

تقرير : منال أمين- مراسلين

  شكلت مدينة عدن جنوب اليمن، على امتداد تاريخها الطويل، نموذجًا فريدًا للتعايش السلمي و التنوع الديني المتميز، حيث احتضنت بين جنباتها أتباع ديانات وطوائف ومذاهب متعددة، هذا التنوع ترك بصمته الواضحة في المشهد العمراني للمدينة من خلال عشرات المباني والمساجد والكنائس والمعابد الهندوسية التي أُقيمت في مراحل تاريخية مختلفة، ولا تزال آثار كثير منها قائمة حتى اليوم كشاهد حي على هوية عدن المنفتحة التي ميّزتها عن بقية مدن اليمن وشبه الجزيرة العربية.

  وخلال فترات متعاقبة، أسهمت جاليات مسيحية وهندوسية من أصول صومالية وإثيوبية وهندية وأوروبية في إثراء الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة، وكانت تمارس شعائرها الدينية بحرية في الكنائس والمعابد المخصصة لها، في أجواء اتسمت بالتسامح وقبول الآخر.

كنيسة رأس مربط

ذاكرة مدينة متعددة الأديان

ووفق تقرير صادر عن الهيئة العامة للآثار عام 2017، تضم عدن حاليًا خمس كنائس تاريخية هي: كنيسة القديسة ماريا جاريسن (1871)، وكنيسة سانت جوزيف (1852)، وكنيسة صلاح الدين في البريقة (1870)، وكنيسة سانت أنتوني (1860)، وكنيسة رأس مربط (1863).

لكن هذه المباني التي صمدت أمام تعاقب الأنظمة والحروب، مازالت تواجه خطر الزوال نتيجة الإهمال وغياب الحماية القانونية.

مسؤول في كنيسة رأس مربط بمديرية التواهي ـ فضّل عدم ذكر اسمه ـ أوضح لشبكة “مراسلين”، أن المدينة ما زالت تحتفظ بكنائس تتبع الطوائف المسيحية الثلاث: الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية، إلا أن معظمها أُغلق منذ خروج البريطانيين عام 1967.

وأشار إلى أن الكنائس ظلت بعد الاستقلال تستقبل المصلّين من الأجانب واليمنيين المعتنقين للمسيحية، إلى أن جاء قانون التأميم الذي أدى إلى إغلاق أغلبها، ولم يتبقى سوى كنيستين مفتوحتين حتى ما قبل عام 2015 هما الكنيسة الكاثوليكية في التواهي وكنيسة سانت جوزيف في صيرة،  وأن عدد المسيحيين المقيمين حاليًا في عدن لا يتجاوز عشرة أفراد يمارسون شعائرهم بصورة محدودة وغير منتظمة.

كنائس مغلقة… ومجتمع يتلاشى

وتُعد كنيسة رأس مربط البروتستانتية من أقدم الكنائس في اليمن، إذ شُيّدت عام 1863 بكلفة ألفي جنيه إسترليني في عهد الملكة فيكتوريا، وتُعرف عالميًا بكنيسة إنجلاند، وتوجد في لندن كنيسة مشابهة لها تحمل اسم “كنيسة عدن”،  وفي عام 1993 كانت كنسية مقرها في قبرص، تُعرف بـ“أساقفة قبرص والخليج”، قد تفاوضت مع السلطات المحلية لإعادة الإشراف على الكنيسة، وهو ما تم فعليًا عام 1995 حيث أُعيد تأهيل المبنى وافتُتحت عيادة خيرية ما زالت تقدم خدماتها الصحية لسكان المنطقة دون تمييز إلى يوماً هذا.

وبشأن إقامة الصلوات حاليًا، يؤكد المسؤول أن الكنيسة ما زالت قادرة على استقبال المصلين، لكنها منذ عام 2015 لا تستقبل سوى أعداد قليلة جدًا مقارنة بما كان عليه الحال سابقًا.

من جانبه، يروي نصر غالب ذات الثلاثة والستون عاماً، وهو أحد سكان مديرية صيرة من أصول صومالية لشبكة “مراسلين”، أن الكنائس في صيرة والتواهي كانت تعج بالمئات من المصلين خلال الحقبة البريطانية وحتى سنوات قريبة، حيث كانت تُقام فيها طقوس عيد الفصح ورأس السنة والصلوات الأسبوعية، غير أن السنوات الست الأخيرة شهدت اعتداءات وحرائق طالت عددًا من الكنائس أدت إلى إغلاقها ونهب محتوياتها وتحولها إلى مبانٍ مهجورة خاصة في مديرية صيرة، ما دفع من تبقى من المسيحيين إلى مغادرة المدينة أو أداء صلواتهم داخل منازلهم.

هذه الشهادة تعكس تحوّلًا اجتماعيًا عميقًا، إذ تراجعت قيم التعدد التي عرفت بها المدينة لصالح مناخ من الخوف والريبة.

كنيسة وعيادة رأس مربط- عدن
معبد هنجراج… معركة على التاريخ

ظلت عدن مدينة مفتوحة على العالم، تتجاور فيها المآذن مع أبراج الكنائس وأجراس المعابد الهندوسية، فكانت محطة للتجار والبحارة والمهاجرين من الهند والقرن الأفريقي وأوروبا، غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل تدريجيًا، لتتحول كثير من دور العبادة غير الإسلامية إلى مبانٍ مغلقة ومواقع متنازع عليها، يتهددها النسيان والاعتداء.

ولا يقتصر الإرث الديني لعدن على الكنائس فقط، بل هناك خمسة معابد هندوسية تعود إلى القرن التاسع عشر، أبرزها: معبد شري تريكامراجي–هاڤيلي (1862) الملحق به مكتبة بهارات، ومعبد الشيخ عثمان هانومانجي (1882)، ومعبد شري رامشانديرجي (1875)، ومعبد شري هنجراج متاجي مندير، ومعبد شري شنكار هانومان الواقع داخل كهف في كريتر المعروف باسم “داساماري بازار”، حيث كانت تُقام الشعائر الهندوسية لسنوات طويلة.

غير أن هذه المعابد تعرّضت لإهمال وتخريب واسعَين، وتحديدًا معبد “هنجراج متاجي” في منطقة الخساف بمديرية صيرة، الذي برزت قضيته مؤخرًا عقب محاولات بسط على أرضه من قبل جهات تدّعي ملكيتها للأراضي المجاورة، كما رصدت عمليات سرقة لأبوابه ومقتنياته وأحجار بنائه، إضافة إلى تحويله إلى مكب للنفايات، رغم أنه ظل لأكثر من 150 عامًا بمنأى عن الاعتداءات رغم الحروب وتغير الأنظمة.

مسؤولية غائبة

حسين باسليم- نائب وزير الثقافة والسياحة اليمني

وفي هذا السياق، أكد نائب وزير الثقافة والسياحة لقطاع الثقافة حسين باسليم لشبكة “مراسلين” أن الإهمال لم يقتصر على المعابد الدينية المتنوعة في مدينة عدن فحسب، بل امتد ليطال عددًا من المعالم والمباني التاريخية البارزة، مثل صهاريج عدن ومبنى المتحف الوطني وغيرها من المواقع ذات القيمة التراثية والحضارية.

وأوضح باسليم أن مسؤولية الحفاظ على هذه المواقع لا تقع على عاتق جهة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمجتمع، مشيرًا إلى أن السلطات المحلية في محافظة عدن تتحمل الجزء الأكبر من هذه المسؤولية بحكم موقعها وإشرافها المباشر، كما شدد على أن ذلك لا يعفي وزارة الثقافة والسياحة من القيام بدورها المحوري في حماية التراث وصون الهوية التاريخية للمدينة.

وأعرب نائب وزير الثقافة عن أمله في أن تولي الحكومة الجديدة هذا الملف الأهمية التي يستحقها، من خلال وضع خطط واضحة لإعادة تأهيل المعالم المتضررة وتوفير الموارد اللازمة لصيانتها، لافتًا إلى أن ظروف الحرب خلال السنوات الماضية أسهمت بشكل كبير في تعثر جهود الحماية والترميم، وألقت بظلال سلبية على واقع هذه المواقع التي تمثل ذاكرة عدن ورمز تنوعها الثقافي والتاريخي.

تحرك قانوني خجول

ويأتي تحرك النيابة العامة مؤخرًا في متابعة التعديات على المواقع الأثرية ضمن الجهود القانونية لحماية الممتلكات العامة وتعزيز سيادة القانون، في محاولة للحفاظ على ما تبقّى من ذاكرة عدن التاريخية التي مثّلت لقرون عنوانًا للتعدد والتعايش.

إن ما يحدث من إهمال وتعدي لمثل هذه المعابد لا يتعلق الأمر بحجارة قديمة، بل بتاريخ مدينة شكلت نموذجًا نادرًا للتعايش السلمي بين جميع الأديان والمذاهب والأديان في الجزيرة العربية، وان اختفاء الكنائس والمعابد يعني قطع الصلة بمرحلة كان فيها الاختلاف مصدر ثراء في عدن لا صراع.

كنيسة سانت انتوني الكاثوليكية- عدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews