تقارب سعودي واهتمام أمريكي يُعيدان رسم المعادلة الاقتصادية في سوريا

بارعة جمعة ـ مراسلين
في وقتٍ يشهد فيه النظام الاقتصادي العالمي تحوّلات مُتسارعة بفعل إعادة تشكيل سلاسل الطاقة وتبدّل أولويات القوى الكبرى، يبرز شرق البحر المتوسط كإحدى أكثر المناطق حساسية في معادلة التوازنات الدولية.
وضمن هذا المشهد، تعود سوريا تدريجياً إلى واجهة النقاشات الاقتصادية الإقليمية، مدفوعة بتقارب متنامٍ مع السعودية، وبمؤشرات اهتمام أمريكي بقطاع الطاقة في المياه الإقليمية السورية.
ويرى خبراء اقتصاد أن هذه التطورات تعكس انتقالاً في مقاربة الملف السوري من زاوية سياسية وأمنية بحتة إلى مقاربة اقتصادية–استثمارية، تُدار بمنطق المصالح طويلة الأمد، وتسعى إلى إعادة دمج دمشق في محيطها العربي والإقليمي ضمن توازنات دقيقة.

تقارب اقتصادي عربي يتجاوز البُعد الثنائي
يُعد الانفتاح الاقتصادي بين سوريا والسعودية أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة، ليس فقط باعتباره عودة للعلاقات العربية، بل كجزء من إعادة صياغة الدور الاقتصادي العربي في المشرق.
يشير الخبير الاقتصادي عامر ديب، رئيس مجلس النهضة السوري في حديثه لشبكة “مراسلين”، إلى أن هذا التقارب يمثل تحولاً من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة الاستثمار في الاستقرار، موضحاً أن السعودية، بثقلها المالي وخبرتها في إدارة المشاريع الكبرى، تنظر إلى سوريا بوصفها مساحة استراتيجية لإعادة التوازن الاقتصادي العربي، لا مجرد ساحة دعم مالي.
وبحسب ديب، فإن أي انخراط سعودي في مشاريع البنية التحتية أو الطاقة من شأنه أن يمنح الاقتصاد السوري هامش حركة أوسع، ويقلل من الاعتماد على شراكات أحادية.
شرق المتوسط.. الطاقة كمحرّك لإعادة ترتيب النفوذ
تحوّل شرق المتوسط خلال العقد الأخير إلى محور تنافس دولي متصاعد، بعد اكتشافات غازية كبيرة أعادت رسم خرائط الطاقة الإقليمية. هذا الواقع جعل المنطقة نقطة التقاء مصالح الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وتركيا، إلى جانب الدول الساحلية.
وفي هذا الإطار، يوضح ديب أن المياه الإقليمية السورية تكتسب أهمية مزدوجة، فهي غير مستثمرة بشكل كافٍ من جهة، وتقع في موقع جغرافي يربط بين المشرق العربي وتركيا وأوروبا من جهة أخرى، ما يجعلها جزءاً محتملاً من أي معادلة مستقبلية لنقل الطاقة.
الاستثمارات الأمريكية.. منطق السوق أم إدارة التوازن؟
رغم الطابع الاقتصادي المعلن لأي استثمارات أمريكية محتملة في قطاع الطاقة السوري، إلا أن مراقبين يرون أن البعد السياسي حاضر بقوة.
وهنا يؤكد ديب أن الولايات المتحدة تتعامل مع الطاقة كأداة لإدارة التوازنات، لا كمجرد قطاع استثماري، مشيراً إلى أن الانخراط في مرحلة الاستكشاف وحدها يحمل رسائل سياسية تتعلق بعدم ترك الساحة مفتوحة أمام نفوذ دولي أحادي.
كما يرى أن هذا الوجود الاقتصادي المحتمل يطمئن حلفاء واشنطن الإقليميين، خاصة دول الخليج، بأن شرق المتوسط سيبقى ساحة توازن لا ساحة اصطفاف حاد.
السعودية كجسر بين دمشق وواشنطن
في هذا السياق، تبرز السعودية كلاعب محوري قادر على لعب دور الوسيط الاقتصادي غير المباشر، ووفق رؤية الخبير الاقتصادي، فإن العلاقة الاستراتيجية بين الرياض وواشنطن تمنح السعودية قدرة فريدة على تخفيف الحساسية السياسية لأي انخراط غربي في سوريا، وجعله أكثر قبولاً ضمن الإطار العربي.
ويضيف ديب: قد يفتح هذا الدور الباب أمام شراكات ثلاثية أو متعددة الأطراف، توازن بين حاجة سوريا للاستثمار، ومتطلبات الحوكمة والشفافية التي يفرضها المستثمرون الدوليون.
توازنات معقدة مع القوى الفاعلة الأخرى
بالمقابل، لا يمكن فصل أي تطور في ملف الطاقة السوري عن حسابات القوى الأخرى، حيث أن روسيا، الشريك التقليدي في قطاع الطاقة السوري، تتابع هذه التحولات بحذر، لكنها قد تتعامل معها ضمن مقايضات أوسع.
كما أن تركيا تراقب تطورات شرق المتوسط من زاوية الأمن والطاقة معاً، بينما تسعى دول أوروبية إلى تنويع مصادر إمدادها في ظل أزمات الطاقة المتكررة.
ويرى ديب أن هذا التشابك يجعل من سوريا ساحة توازن اقتصادي إذا ما أُدير الملف ببراغماتية، لا ساحة صراع صفري.
فرص اقتصادية حقيقية ومخاطر قائمة
يوفر هذا الانفتاح المحتمل فرصاً مهمة لسوريا، أبرزها تنويع الشراكات الاقتصادية، واستثمار الموارد البحرية، واستخدام قطاع الطاقة كرافعة لإعادة الإعمار.
إلا أن الخبير عامر ديب يحذّر من غياب أطر تشريعية ومؤسسية واضحة، الذي قد يحوّل هذه الفرص إلى مصدر توتر، مشدداً بالوقت ذاته على أهمية تحديث القوانين وبناء بيئة استثمارية شفافة.
في المحصلة، يشير التقارب السوري ـ السعودي، بالتوازي مع الاهتمام الأمريكي بقطاع الطاقة في شرق المتوسط، إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاقتصادي في المنطقة. ووفق تقدير الخبير الاقتصادي عامر ديب، فإن نجاح هذه المرحلة سيعتمد على قدرة سوريا على إدارة التوازن بين الشركاء، وتحويل موقعها الجيوسياسي من عبء تاريخي إلى ميزة اقتصادية مستدامة.




