عندما اصطدمت التصريحات بالصواريخ.. معركة الإعلام بين واشنطن وطهران
كيف كانت المعركة الإعلامية بين طهران وواشنطن في ذروة التصعيد ؟

شبكة مراسلين
تقرير: سعد الله مولود
مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وانطلاق جولة المفاوضات في باكستان بين الوفد الإيراني والأمريكي، نقف في هذه القراءة على التغطية الإعلامية، أو المعركة الإعلامية في خضم الحرب؛ ففي الحروب الحديثة، المعركة تبدأ بالكلمات والتصريحات قبل الرصاص والقصف.
فخلال ذروة التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، كانت الطريقة التي تُقدَّم بها الضربات للجمهور المحلي والدولي هي الحدث، وليس الضربات في حد ذاتها. فمن يتابع التغطية يدرك أن الصراع كان معقداً على الوعي، وعلى من يمتلك حق تعريف ما يحدث.
الرئيس الأمريكي ترامب اعتمد أسلوباً غير تقليديا، لكنه معروف به: من تصريحات حادة، وتهديدات مباشرة، ثم عبارات تبدو متناقضة تفتح باب التفاوض!
في ظاهر الأمر، يبدو المشهد ارتباكاً، لكن في عمقه، عند قراءته، كان تكتيكاً تفاوضياً، كما يرى محللون سياسيون، يقوم على رفع سقف التهديد إلى أقصى درجة، وترك مساحة ضبابية حول النية الفعلية.
أيضاً، خلق ضغطاً نفسياً دائماً على الخصم. بهذا الأسلوب، تصبح الكلمة نفسها أداة ردع؛ فالتصريح قد لا يتبعه هجوم، لكنه يترك الخصم في حالة استعداد دائم، وهو شكل من أشكال الاستنزاف النفسي والسياسي.
أما على محور طهران، فرأينا هدوءاً محسوباً لا يخلو من الرسائل؛ فإيران لم تنجرِّ إلى الرد على كل تصريح.
فعند ملاحظة التغطية في وكالة تسنيم ووكالة فارس، نرى أنه كانتا تظهران أي تحرك أمريكي أو إسرائيلي على أنه “عدوان”، وإبراز الرد الإيراني بوصفه “حقاً مشروعاً”.
أيضاً، ركزتا على الجاهزية العسكرية دون كشف كامل للأوراق، وخلق حالة من الغموض حول قوة الرد والإمكانيات. وبالطبع، قامتا بتسليط الضوء على أي انقسام داخل الولايات المتحدة.
فالخطاب الإيراني كان يظهر أنه ليس انفعالياً بقدر ما كان تعبويّاً، ويفسر ذلك محللون بمحاولة إيران الاتزان مع عدم التصعيد، سواء مع أعدائها، أو جيرانها الذين قصفتهم، أو مع الدول الحليفة للمعسكر الغربي؛ وذلك لعدم كسب أو جرِّ أعداء آخرين للحرب. وكذلك، حاولت إظهار الردع وقدرتها على الرد، وأن لها أسلحة تؤلم “كمضيق هرمز”، أو تكنولوجيا صواريخها. أيضاً، أظهرت التماسك الداخلي رغم مقتل القادة.
فإيران، بدل دخولها في سجال مع تصريحات ترامب، حولت التهديد إلى عنصر تعبئة داخلية، وإلى رسالة صمود موجهة للداخل.
في الحرب الإعلامية، أمريكا كثرت في مفرداتها، أو ركزت على عبارات مثل: “الأمن القومي”، “الرد الوقائي”، “حماية الاستقرار”، “إزالة التهديد والمنع”. بينما إيران، غلب على مفرداتها كلمات مثل: “السيادة”، و”الكرامة”، “العدوان”، “الرد المشروع”.
الفارق بين مفردات الطرفين لغوي واستراتيجي؛ فواشنطن تخاطب العالم من زاوية الأمن الدولي، وطهران تخاطب جمهورها والمنطقة من زاوية الكرامة والسيادة.
في التصعيد، كان واضحاً أن كلا الطرفين مارسا انتقاءً معلوماتياً: في تضخيم نجاحات الضربات، أو تقليل الحديث عن الخسائر، وكذلك تأخير الاعتراف بالتداعيات. مما يظهر الإعلام كخط دفاع موازٍ للجيوش؛ فالصورة التي تُرسَم قد تكون أحياناً أهم من نتيجة الضربة نفسها.



