العلاقات الروسية – السورية: من تحالف الضرورة إلى شراكة إعادة التموضع

عبدالله حسن زيد -مراسلين
تُجسّد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو ولقاءه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتقال العلاقات الروسية-السورية إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع والتحديث، بعد عقود طويلة من التحالف التقليدي والدعم المتبادل. ففي الوقت الذي تسعى فيه موسكو إلى تثبيت نفوذها الاستراتيجي في شرق البحر المتوسط عبر شراكات طويلة الأمد، تعمل دمشق على توظيف هذه العلاقة في خدمة أولويات إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، ضمن مقاربة أكثر انفتاحاً وتوازناً في سياستها الخارجية. وبذلك، لم تعد العلاقة بين البلدين مجرد تحالف ظرفي تحكمه ظروف المرحلة، بل شراكة قابلة لإعادة التشكيل، تُمليها المصالح المتبادلة وتفرضها معادلات إقليمية ودولية متغيرة.
أولاً: اللقاء الأخير ورسائل المرحلة
عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الأربعاء 28 كانون الثاني/يناير، جلسة مباحثات رسمية في العاصمة موسكو مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تناولت آفاق التعاون الثنائي ومستقبل العملية السياسية والاقتصادية في سوريا.
وفي مستهل اللقاء، رحّب بوتين بزيارة الرئيس الشرع، مؤكداً استعداد بلاده للعمل المشترك والفعال، لا سيما في ملف إعادة إعمار سوريا، ومشيراً إلى التطور الملحوظ في التعاون الاقتصادي بين البلدين وضرورة الحفاظ على المكتسبات المتحققة وتطويرها.
اللقاء حمل رسائل سياسية واضحة، أبرزها رغبة الطرفين في تدشين صيغة جديدة للعلاقة تتجاوز إرث المرحلة السابقة، دون القطيعة مع المصالح الاستراتيجية المتراكمة.
ثانياً: جذور العلاقة – تحالف ممتد منذ الحرب الباردة
تعود العلاقات السورية-الروسية إلى أربعينيات القرن الماضي، وتحوّلت خلال الحرب الباردة إلى تحالف استراتيجي، عززته معاهدة الصداقة والتعاون عام 1980، والتعاون العسكري الواسع، إضافة إلى الحضور السوفياتي ثم الروسي في الموانئ السورية.
وخلال عقود، شكّلت سوريا أحد أهم مرتكزات السياسة الروسية في الشرق الأوسط، بينما وفّرت موسكو دعماً سياسياً وعسكرياً ثابتاً لدمشق في المحافل الدولية.
ثالثاً: مرحلة الحرب السورية – تثبيت النفوذ الروسي
مع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، دخلت العلاقات مرحلة غير مسبوقة من التداخل، بلغت ذروتها بالتدخل العسكري الروسي عام 2015، الذي أعاد رسم موازين القوى على الأرض، ورسّخ الدور الروسي كفاعل رئيسي في الملف السوري.
في هذه المرحلة، ارتكزت العلاقة على منطق أمني-عسكري بالدرجة الأولى، وترافق ذلك مع تثبيت الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس، وتكريس موسكو كضامن سياسي في المسارات الدولية.
رابعاً: مقارنة بين عهد بشار الأسد وعهد أحمد الشرع
شهدت العلاقات الروسية-السورية تحوّلاً نوعياً بين عهد بشار الأسد ومرحلة الرئيس أحمد الشرع. ففي عهد الأسد، قامت العلاقة إلى حدّ كبير على تحالف سياسي-عسكري شبه مطلق، اتسم بالاعتماد المكثف على الدعم الروسي، خاصة خلال سنوات الحرب، مقابل نفوذ واسع لموسكو في القرارين الأمني والسيادي.
أما في عهد الرئيس أحمد الشرع، فتتجه العلاقة نحو صيغة أكثر توازناً وبراغماتية، تقوم على إعادة تعريف الشراكة وفق المصالح المتبادلة، مع تركيز أوضح على التعاون الاقتصادي وإعادة الإعمار والانفتاح الدبلوماسي، إلى جانب تأكيد استقلالية القرار السوري وعدم حصر العلاقات الخارجية ضمن محور واحد. ويعكس ذلك انتقال العلاقة من تحالف فرضته الضرورة إلى شراكة تقوم على إعادة التموضع الاستراتيجي.
خامساً: الاقتصاد وإعادة الإعمار – أولوية المرحلة المقبلة
يشكل الملف الاقتصادي اليوم أحد أعمدة العلاقة الجديدة، حيث تسعى موسكو إلى الحفاظ على حضورها في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، بينما ترى دمشق في الشراكة مع روسيا مدخلاً عملياً لدعم التعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات في مرحلة إعادة الإعمار.
وقد شدد الرئيس بوتين خلال لقائه مع الرئيس الشرع على أهمية تطوير التعاون الاقتصادي وتوسيعه بما يخدم مصالح الشعبين، في إشارة إلى انتقال العلاقة من الطابع العسكري إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.
سادساً: الأبعاد الإقليمية والدولية
تندرج العلاقة الروسية-السورية ضمن رؤية موسكو الأوسع لدورها في الشرق الأوسط، حيث تمثل سوريا نقطة ارتكاز استراتيجية في شرق المتوسط. وفي المقابل، تحاول دمشق الجديدة الاستفادة من هذا الدور الروسي دون الانخراط في اصطفافات مغلقة، بما يسمح لها بإعادة بناء علاقاتها الإقليمية والدولية على أسس أكثر توازناً.
خلاصة
تعكس زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو بداية مرحلة جديدة في العلاقات الروسية-السورية، عنوانها إعادة التعريف لا القطيعة. فروسيا تسعى إلى تثبيت نفوذها الاستراتيجي عبر شراكات مرنة، بينما تعمل سوريا على توظيف هذه العلاقة في خدمة الاستقرار وإعادة الإعمار، ضمن سياسة خارجية أكثر انفتاحاً وتوازناً.
العلاقة اليوم لم تعد تحالفاً تقليدياً مغلقاً، بل شراكة قابلة لإعادة التشكيل، تحكمها المصالح، وتفرضها تحولات إقليمية ودولية عميقة.



