تقارير و تحقيقات

ما الرسائل التي حملها سقوط مادورو لإيران؟

علي زم – مراسلين

طهران- أثارت الرسائل الصريحة التي وجّهها دونالد ترامب إلى إيران، بالتزامن مع اعتقال نيكولاس مادورو، تساؤلات واسعة بشأن الدور الجديد للولايات المتحدة وسعيها لترسيخ موقعها كـ«شرطي العالم»، وهي تساؤلات يتركز جانب أساسي منها على موقع إيران في هذا التحول.

حتى في الأيام الأولى من العام الجديد، لم يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن توجيه رسائل صريحة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وجاءت هذه المواقف متزامنة مع تطورات مهمة في أميركا اللاتينية وأفريقيا، من الهجمات على كراكاس واعتقال مادورو، إلى العمليات العسكرية ضد مواقع تنظيم داعش في شمال نيجيريا.

ويرى بعض المحللين أن إيران وفنزويلا ونيجيريا تُدرس ضمن حزمة تحليل واحدة بوصفها دولًا منتجة للنفط، وينطلقون من هذا الافتراض للقول إن الهجمات الأخيرة تمثل مساعي أميركية لتعزيز دورها في سوق النفط العالمي. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى سقوط مادورو على أنه مجرد أزمة داخلية في فنزويلا، بل تطور ذو أهمية بالنسبة لطهران أيضًا.

غير أن طهران تتابع تطورات فنزويلا من زوايا أخرى متعددة، من بينها الاقتصاد، والاضطرابات الداخلية، وتركيبة التحالفات.

ما مصير الاستثمارات الإيرانية في فنزويلا؟

يحمل هذا التطور دلالتين متناقضتين بالنسبة لطهران؛ ففنزويلا كانت في السنوات الأخيرة حليفًا قريبًا لإيران، ونشأت بين البلدين تعاونات اقتصادية ونفطية وأمنية واسعة.

وقد تعززت العلاقات الوثيقة بين طهران وكراكاس بشكل كبير منذ عهد محمود أحمدي نجاد وصداقته مع هوغو تشافيز. واستثمرت إيران في العديد من المشاريع الاقتصادية واللوجستية في فنزويلا، من بينها عقود إنشاء مترو الأنفاق التي تولتها مؤسسة خاتم الأنبياء، إلى عقود بمئات ملايين الدولارات لتحديث مصافي النفط هناك. وقبل أيام من سقوط مادورو، نشرت وكالة «إيلنا» مقابلة مع قائد مؤسسة خاتم الأنبياء، أشارت إلى خروج إيران من مشروع مترو فنزويلا، إلا أن هذا الخبر أُزيل سريعًا من موقع الوكالة ومن مواقع إخبارية أخرى كانت قد نقلته عنها.

وفي عام 2006، افتتحت إيران مصنعًا لتجميع السيارات في فنزويلا، في خطوة وُصفت آنذاك بأنها من المشاريع المثيرة للجدل في عهد أحمدي نجاد، حيث جرى إنتاج سيارات «سمند» و«برايد». وعلى الرغم من أن المشروع قيل إنه أُغلق عام 2015، فإنه أُعيد إحياؤه في عام 2023 خلال زيارة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي إلى دول أميركا اللاتينية، تحت إدارة شركة سايبا.

وفي عام 2011، افتُتح خط إنتاج جديد للجرارات الإيرانية في مدينة بوليفار الفنزويلية بحضور محافظ أذربيجان الشرقية آنذاك ووزير الزراعة الفنزويلي. وفي عام 2023، وقّعت شركة «ونيران» لصناعة الجرارات، ممثلة لإيران، عقدًا مع رامون بلاسكيز، وزير النقل الفنزويلي، يقضي بتصنيع وتوريد الجرارات اللازمة لمطارات فنزويلا عبر الجانب الإيراني.

ووفقًا لموقع الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع النفط، وقّعت إيران في عام 2022 عقدًا بقيمة 110 ملايين يورو لإعادة تأهيل وتشغيل مصفاة «إل باليتو» في فنزويلا.

وفي عام 2023، أفادت وكالة رويترز بأن شركات حكومية إيرانية وفنزويلية عرّفت مشروعًا بقيمة 460 مليون دولار لإعادة تأهيل مجمع تكرير النفط في هذا البلد.

وفي أغسطس من العام الجاري، أعلن أحمد بيغدلي، النائب في البرلمان الإيراني، أن فنزويلا مدينة لإيران بمبلغ مليار دولار، وقال: «على وزير النفط الإيراني أن يوضح سبب عدم متابعة الديون النفطية بقيمة مليار دولار على فنزويلا لصالح شركة النفط الإيرانية. من غير الواضح لماذا لا تتم متابعة هذا المبلغ، وعلى الوزير تقديم توضيحات».

وبلغت العلاقات بين البلدين حدًا جعل الجيش الإيراني يفتتح قبل سنوات سلسلة متاجر خاصة به تحت اسم «إتكا» في كراكاس. وفي عام 2020، افتُتح سوبرماركت «ميغاسيس» الكبير في كراكاس، وكان في الواقع فرعًا لمجموعة متاجر إتكا.

كما نُشرت تقارير عن عقود للزراعة خارج الحدود لصالح إيران في فنزويلا. ففي يوليو 2022، أعلن علي رضواني زاده، رئيس جمعية الزراعة خارج الحدود، تخصيص مليون هكتار من الأراضي الزراعية في فنزويلا لإيران.

وحتى قبل أشهر قليلة، وفي وقت كانت فيه الطائرات الأميركية تنفذ مناورات فوق فنزويلا، قال سبحاني، السفير الإيراني السابق في كراكاس، لموقع «رويداد 24» إن إيران ستوافق إذا طلب مادورو طائرات مسيّرة إيرانية لمواجهة الولايات المتحدة.

وفي عام 2024، قال إيرج رهبر، رئيس جمعية المطورين العقاريين في طهران، بشأن نشاط شركات البناء الإيرانية في فنزويلا: «بدأ تصدير الخدمات الفنية والهندسية ودخول شركات البناء الإيرانية إلى فنزويلا منذ حكومة أحمدي نجاد، وفي المرحلة الأولى شُيّدت ثلاثة آلاف منشأة سكنية على يد الإيرانيين، ثم دخلت شركة أخرى وبنت نحو عشرة آلاف وحدة سكنية في فنزويلا».

واليوم، مع سقوط حكومة مادورو، يظل مصير هذه الاستثمارات والديون الإيرانية غير واضح. حيث قال دونالد ترامب، في أول مؤتمر صحفي له بعد اعتقال مادورو: «ستتوجه شركات النفط الأميركية إلى فنزويلا، وستنفق مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية المتضررة بشدة، ولا سيما البنية النفطية، وستحصل على عوائدها بوصفها تعويضًا عن الأضرار التي لحقت بالولايات المتحدة من جانب فنزويلا».

من دمشق إلى كراكاس: مصير قاتم لحلفاء موسكو

إن انهيار حليف استراتيجي آخر في العالم، بعد سقوط الأسد واغتيال قادة حزب الله، يثير تساؤلات بشأن خيارات إيران في سياستها الخارجية.

من جهة أخرى، تطرح تجربتا سوريا وفنزويلا، وهما بلدان حظيا بدعم سياسي وعسكري من روسيا، أسئلة جديدة حول دور موسكو في معادلات القوة.

فكلتا الحكومتين، رغم دعم فلاديمير بوتين، انهارتا فجأة وبصدمات كبيرة.

ويتحدث بعض المحللين اليوم عن وجود «صفقة أكبر بين القوى الكبرى»، تكون فيها مصائر الحلفاء الإقليميين، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، موضوع مقايضات جيوسياسية. وفي هذا الإطار، لا تُعد إيران استثناءً.

وخلال السنوات الأخيرة، ازدادت تبعية إيران لروسيا، ووقّع البلدان اتفاق تعاون طويل الأمد. غير أن خبراء يرون أن هذه الاتفاقات لا تخلق بالضرورة قيمة استراتيجية دائمة للكرملين، وأن طهران قد تصبح قابلة للتخلي عنها إذا تغيّر توازن المصالح.

وقد تجلّت هذه الحقيقة بوضوح خلال حرب الـ 12 يوماً، إذ لم يتخذ بوتين أي خطوة لدعم إيران، بل أعلن رسميًا أن طهران لم تطلب منهم أي مساعدة. وذهب محمد صدر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، خطوة أبعد حين قال إن «الروس قدموا معلومات لإسرائيل» خلال الحرب الـ 12 يوماً، بين إسرائيل وإيران. وأضاف أن استهداف إسرائيل «الدقيق» لجميع مراكز الدفاع الجوي الإيرانية أمر مريب، ويشير إلى أن روسيا «ليست إلى جانبنا».

وأكد هذا العضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام أن «لروسيا ميلًا خاصًا نحو إسرائيل»، وأنه اتضح في هذه الحرب الأخيرة أن «التحالف الاستراتيجي مع روسيا وهم».

ورغم العلاقات «الاستراتيجية» المعلنة مع طهران، تجنبت روسيا تصعيد التوتر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واقتصر دورها على إدانات عامة والدعوة إلى ضبط النفس. ويُفترض أن يدفع سقوط فنزويلا، إلى جانب تجربتي الحرب وسوريا، طهران إلى إعادة النظر في علاقاتها الاستراتيجية مع موسكو، وإلا فإنها ستُتهم بتجاهل دروس التاريخ.

هل تغيّر دور واشنطن فعلًا؟ ماذا تقول وثيقة الأمن القومي؟

تثير التطورات الأخيرة وسقوط حكومات أقامت في السنوات الأخيرة علاقات وثيقة مع طهران، من بشار الأسد إلى مادورو، العديد من الاستفهامات الجوهرية، مثلاً ما الرسالة التي تحملها هذه التطورات إلى طهران؟ وهل هي مجرد نتيجة لظروف داخلية في كل بلد، أم مؤشر على تغير نهج القوى الكبرى تجاه حلفائها؟

يكمن جزء من الجواب في وثيقة الأمن القومي الأميركية لعام 2025، حيث أعلنت الولايات المتحدة صراحة نهاية النظام العالمي السابق، القائم على الهيمنة الليبرالية، والذي يبدو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة.

ويستخدم شون مولوي، محلل العلاقات الدولية، استعارة أسطورية في تفكيك الدلالات العميقة لهذه الوثيقة، قائلًا: «الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لحمل النظام العالمي على كتفيها مثل أطلس».

وتعلن الوثيقة نهاية عصر «الشرطي العالمي القائم على المبادئ الأخلاقية الليبرالية»، وترسم خطًا أحمر جديدًا: لن تضغط الولايات المتحدة على الزناد إلا عندما تكون «المصالح الحيوية والملموسة والمباشرة»، مثل أمن الحدود أو الميزان التجاري الإيجابي، في خطر، وليس دفاعًا عن مفاهيم مجردة كحقوق الإنسان أو الديمقراطية في أماكن بعيدة.

ويمثل ذلك انتقالًا من مفهوم «الهيمنة» الكلاسيكي إلى مفهوم «التفوق». وتمنح الوثيقة واشنطن صراحة الحق في تجاهل سيادة جيرانها الجنوبيين لحماية حدودها، وهو ما تجلى بوضوح في الهجوم على فنزويلا.

وتحمل هذه الوثيقة رسالة خاصة لإيران أيضًا، إذ تضعها أمام سيناريو غير مألوف هو «التجاهل الاستراتيجي». وتعلن بوضوح أن الشرق الأوسط لم يعد بؤرة أزمات عاجلة بالنسبة للولايات المتحدة، وأن واشنطن تعتزم شطب المنطقة من قائمة أولوياتها الحيوية.

وتقوم السياسة الأميركية الجديدة تجاه الشرق الأوسط، ولا سيما تجاه طهران، على مبدأ واحد هو «جزّ العشب». وتُظهر قراءة متأنية لوثيقة 2025 وملاحقها الاستراتيجية أن خريطة الطريق الأميركية تجاه إيران أكثر تعقيدًا ودقة وأقل كلفة من الحرب التقليدية. وتصنف الوثيقة إيران دولة منهكة، فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها تحت وطأة العقوبات والأزمات البنيوية وتحديات الحفاظ على السلطة.

ويتمثل النهج العملي تجاه مثل هذا الفاعل في اعتماد النموذج الإسرائيلي المعروف بـ«جزّ العشب»، كما حدث في غزة. ويقوم هذا النموذج على «التجاهل»؛ حيث تُترك إيران محاصَرة بالعقوبات لتزداد إنهاكًا، ويتقلص اقتصادها سنويًا، وتزداد هشاشة مجتمعها. ولا تسعى واشنطن إلى إسقاط النظام، انطلاقًا من قناعة بأن إيران ضعيفة ومعزولة وخاضعة للسيطرة أقل خطورة من إيران غير مستقرة ومنخرطة في حرب أهلية.

غير أن هذا التجاهل ليس مطلقًا، بل يُستكمل بمرحلة «القمع المؤقت». فكلما تجاوزت قدرات إيران «سقف التحمل»، سواء عبر الاقتراب من عتبة الاختراق النووي أو تهديد مباشر للقوات الأميركية، تتحرك الآلة العسكرية الأميركية وحليفها الإقليمي. وتشمل الأدوات هجمات سيبرانية معطلة، وضربات جوية دقيقة ضد بنى تحتية حساسة، أو تصفية شخصيات محورية، بهدف تقليص قدرات إيران وإعادتها إلى نقطة البداية. وبعد توجيه الضربة، يتوقف الضغط العسكري وتُستأنف دورة العقوبات والحظر الأجنبي.

وتقع إيران، وفق هذه الاستراتيجية، في «فخ الاستنزاف». فعلى عكس الحرب الشاملة التي غالبًا ما تعزز النزعة الوطنية، يؤدي أسلوب «جزّ العشب» إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في الإذلال الوطني، وترسيخ الشعور بالعجز، والاستنزاف التدريجي للبنى التحتية.

ماذا ينبغي على إيران أن تفعل؟

تزامن اعتقال مادورو مع احتجاجات في عدد من المدن الإيرانية احتجاجًا على الارتفاع غير المسبوق في سعر الصرف. ورغم أن هذه الاحتجاجات لا تشبه احتجاجات الأعوام الماضية من حيث الاتساع أو الحجم، فإن هذا التزامن دفع بعض وسائل الإعلام إلى التكهن بمصير فنزويلا والدروس التي يمكن أن تستخلصها طهران.

ويعيش المجتمع الإيراني اليوم حالة متناقضة؛ فمن جهة يحمل في ذاكرته تجارب الحرب والعقوبات والتهديد الخارجي، ويُبدي حساسية تجاه عدم الاستقرار، ومن جهة أخرى يرزح تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والفساد والعجز عن رسم أفق واضح للمستقبل. وأظهرت تجربة الحرب مع إسرائيل أن المجتمع الإيراني، في حال التعرض لهجوم خارجي، لا يقف إلى جانب الخصم، بل يصطف إلى جانب نظام بلاده.

لكن تداخل الضغط الخارجي مع التآكل الداخلي أفقد الحكومة الإيرانية أدواته السابقة في إدارة الأزمات وبث الطمأنينة الاجتماعية. وعلى وقع هذا، يطرح محللون مقترحات لتغييرات جذرية قائمة على مكافحة الفساد. إذ يحتاج الإيرانيون إلى أن يلمسوا نتائج ملموسة لهذه التغييرات، سواء على مستوى المعيشة أو في المجال الاجتماعي. وكما جرى الاعتراف بشرعية احتجاجات التجار، يتعين على جميع السلطات الاعتراف بالاحتجاجات والتحرك نحو إصلاحات جادة.

اقرأ المزيد

Ali Zam

كاتب وصحافي سوري وخبير في الشؤون الإيرانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews