أخبارتقارير و تحقيقاتصحة و جمالعربي و دولي

جلدٌ يصرخ تحت الأنقاض.. وباء الأمراض الجلدية يفتك بأطفال غزة في صمت

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
تقرير: محمد خلاف

في خيام النزوح المكتظة، حيث تتداخل رائحة العرق مع رائحة التراب، وحيث يتشارك عشرة أفراد مساحة لا تكفي لثلاثة، لا يقتصر المعاناة على قصف السماء أو جوع البطن، بل يمتد إلى الجلد نفسه. جلد الأطفال في قطاع غزة أصبح ساحة جديدة للحرب، حربٌ صامتة تشنها الأمراض الجلدية في ظل انهيار المنظومة الصحية وندرة المياه النظيفة.

ليست الحكة العابرة أو الطفح البسيط ما يواجهه الأطفال، بل أمراضٌ كانت قابلة للعلاج في ظروف مستقرة، لكنها تحولت اليوم إلى تهديدٍ مباشر للحياة. الجرب، القوباء، القمل، الجدري المائي، والتهابات جلدية بكتيرية وفطرية، كلها تنتشر كـ”وباء صامت” في مخيمات النزوح، حيث تتحول الخيمة إلى بؤرة عدوى، والجلد المجروح إلى بوابة للخطر.

دراسةٌ تكشف الأرقام الصادمة

كشفت دراسة علمية حديثة أجراها فريق طبي من الهلال الأحمر الفلسطيني، عن أرقامٍ تدق ناقوس الخطر.
شملت الدراسة 1,200 طفل من عيادات الهلال الأحمر ومواقع النزوح، وأظهرت أن 409 أطفال (بنسبة 34%) كانوا مصابين إما بالجرب أو القوباء.
من بين الأطفال المصابين، شُخّص 356 طفلاً بالقوباء (عدوى بكتيرية تسبب تقرحات جلدية)، و150 بالجرب (مرض طفيلي شديد العدوى)، بينما عانى 99 طفلاً (24.2%) من العدوى المزدوجة بكلا المرضين في آن واحد.
وتؤكد الدراسة أن 91% من المشاركين كانوا نازحين، يعيش 61% منهم في مساكن مشتركة مع أكثر من 10 أفراد. والأكثر إثارة للقلق: 44% فقط لديهم وصول مستمر لمياه نظيفة، و28% فقط يحصلون بانتظام على الصابون ومستلزمات النظافة، بينما أبلغ 17% فقط عن الاستحمام اليومي.


أطفال غزة: نصف السكان، وأكثر الفئات تضررًا

يشكل الأطفال دون سن 18 عاماً حوالي 47% من سكان قطاع غزة، أي ما يقارب 980,000 طفل، هذه النسبة الهائلة تجعل من أي أزمة صحية تصيب الأطفال كارثةً إنسانية مضاعفة.
وفي ظل هذه الظروف، لم تعد الأمراض الجلدية مجرد “إزعاج”، بل أصبحت مدخلاً لمضاعفات خطيرة: التهابات مجرى الدم، فشل كلوي في الحالات المتقدمة، وتأثيرات نفسية عميقة نتيجة الألم المستمر والوصم الاجتماعي.

تقول منظمة الصحة العالمية ووكالة الأونروا إن مئات الآلاف من حالات العدوى الجلدية – بما فيها الجرب والقمل والجدري والقوباء – تم رصدها في غزة، وتتركز بشكل خاص بين الأطفال الذين يعيشون في مخيمات الخيام المؤقتةوتواصل فرق الاستجابة الطبية السريعة التابعة للأونروا رصد اتجاهات الإصابات الجلدية في ملاجئ الطوارئ الجماعية.

لماذا تنتشر الأمراض الجلدية في غزة بهذه السرعة؟

لا تأتي هذه الأزمة من فراغ.
الخبراء يحددون عوامل متشابكة خلقت “عاصفة مثالية” لانتشار العدوى:

الازدحام غير المسبوق:
العيش في مساحات ضيقة مع عشرات الأفراد يسهل انتقال الأمراض المعدية بالملامسة المباشرة أو عبر الأغراض المشتركة.

انهيار منظومة المياه والصرف الصحي:
مع تدمير البنية التحتية، أصبح الوصول لمياه نظيفة رفاهية. وبدون ماء وصابون، تتحول ممارسات النظافة الأساسية إلى حلم.

سوء التغذية:
يُضعف الجهاز المناعي للأطفال، مما يجعل أجسادهم أقل قدرة على مقاومة العدوى، وأكثر عرضة لمضاعفاتها.

نقص الأدوية والمستلزمات الطبية:
حتى عندما يُشخّص المرض، يصبح العلاج تحدياً بسبب شح المراهم والمضادات الحيوية والأدوية الأساسية.

انتشار الحشرات والطفيليات:
في بيئة تفتقر للنظافة، تزدهر القمل والبراغيث والبعوض، حاملةً معها أمراضاً جديدة.

تدهور الخدمات الصحية:
مع تدمير المستشفيات ونقص الكوادر، تصبح العيادات المتخصصة في الأمراض الجلدية نادراً، وتتحول الحالات البسيطة إلى معقدة.

الاستجابة الدولية: وعود بطيئة أمام واقع عاجل

بينما تحذر المنظمات الدولية من تفاقم الأزمة، تبقى الاستجابة العملية محدودة. وتواصل الأونروا تقديم الاستشارات الصحية وتوزيع مستلزمات النظافة، لكن العقبات اللوجستية والأمنية تعيق وصول المساعدات بالسرعة المطلوبة.

ويدعو الهلال الأحمر الفلسطيني إلى تدخل عاجل لتوفير المياه النظيفة، ومستلزمات النظافة، والأدوية الأساسية، فضلاً عن دعم العيادات المتنقلة التي تصل للمناطق النائية.

خاتمة: الجلد لا ينسى

الأطفال في غزة لا يختارون الحرب، ولا يختارون النزوح، ولا يختارون أن يصبح جلدهم ساحة للمعارك. كل طفل مصاب بالجرب أو القوباء هو رسالة صامتة للعالم: أن الكرامة الإنسانية تبدأ من احترام جسد الإنسان، وأن الصحة حقٌ لا مساومة فيه.
وتبقى معاناة أطفال غزة حكاية تستحق أن تُروى، وألماً يستحق أن يُسمع. فقبل أن نتحدث عن اي شيء، دعونا نستمع لصوت طفل يشتكي من حك جلده ليلاً، ويتمنى لو أن الماء والصابون كانا متاحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews