سوريا

سوريا بين الانفراج السياسي والتقدم الميداني: أسبوع مفصلي يرسم ملامح مرحلة جديدة

محمد سمير طحان – مراسلين

دمشق- شهدت سوريا خلال الأسبوع الممتد من 16 إلى 22 كانون الثاني/يناير 2026 تحولات دراماتيكية على المستويين السياسي والميداني، رسمت ملامح مرحلة جديدة عنوانها “توحيد الجغرافيا وتعزيز السيادة:، مع تسارع الاتصالات الإقليمية والدولية الداعمة لمسار التفاهم بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بالتزامن مع استعادة الجيش السوري السيطرة على كامل غرب الفرات ووصوله إلى بوابات الرقة، وسط ارتياح حكومي وشعبي متزايد لانفراج الأوضاع الداخلية ورفع العقوبات الخارجية.

ملف سياسي مزدحم: دمشق مركز التفاهمات الإقليمية والدولية

بدأت التحركات الدبلوماسية مع إعلان المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس براك، عن جهود بلاده لاحتواء التوتر بين دمشق و”قسد”، في وقت كان يختمر فيه تحول نوعي عكسته زيارة المبعوث إلى العاصمة السورية ولقاؤه الرئيس أحمد الشرع، الذي أكد أولوية بسط سلطة الدولة ووحدة الأراضي السورية، مع بحث التعاون في مكافحة الإرهاب والتبادل الاقتصادي.
في موازاة ذلك، أصدر الرئيس الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي كرّس حقوق المواطنين الكرد الثقافية واللغوية، مانحاً اللغة الكردية صفة وطنية رسمية، خطوة لاقت ترحيباً واسعاً في الأوساط الوطنية وأتبعتها وزارة التربية ببدء إعداد التعليمات التنفيذية لتدريس اللغة في المدارس.

وعلى خط الحوار الكردي الداخلي، برزت تحركات متزامنة من أربيل، حيث ناقش نيجيرفان بارزاني مع قائد “قسد” مظلوم عبدي أهمية التهدئة والحوار، قبل انعقاد لقاء ثلاثي في أربيل جمع بارزاني وبراك وعبدي، شهد انتقادات أمريكية لـ”قسد” بسبب تعثر تنفيذ التفاهمات مع دمشق.
وأسفر المسار عن زيارة مرتقبة لوفد من “قسد” إلى العاصمة السورية، تمهيداً لتوقيع تفاهم جديد حول الدمج الإداري والعسكري في الحسكة.

فعلياً، أعلنت رئاسة الجمهورية مساء الثلاثاء 20 كانون الثاني / يناير عن التوصل لتفاهم أولي بين الحكومة و”قسد” يشمل الدمج ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، ومنح تمثيل للمكون الكردي في مؤسسات الدولة، بما فيها مناصب المحافظ ومجلس الشعب. توازياً، أعلنت وزارة الدفاع عن وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أيام لاستكمال ترتيبات الدمج.وفي سياق دولي داعم، أجرى الرئيس الشرع اتصالاً هاتفياً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكدا فيه وحدة الأراضي السورية وحقوق الكرد ضمن إطار الدولة، قبل أن يعلن ترامب من دافوس أن “سوريا تدخل مرحلة جديدة برفع العقوبات واستعادة عافيتها الاقتصادية”. توازى ذلك مع اتصال بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبحث “خارطة طريق” تعيد هيكلة الأوضاع في سوريا وتضمن دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وسط تحذير تركي للمسلحين الأكراد من أي “مغامرات انتحارية”.

الجيش يفرض السيطرة الكاملة على الرقة وسد الفرات

شهدت الجبهات الميدانية تحولات نوعية مع إعلان الجيش العربي السوري بسط السيطرة على مدينتي مسكنة ودير حافر شرق حلب، ثم تقدمه نحو الرقة وصولاً إلى مدينة الطبقة وسد الفرات، محققاً أبرز إنجازاته شمال البلاد منذ مطلع العام، وسط انهيار سريع في صفوف “قسد” وPKK وتسليم المئات من المقاتلين أنفسهم للقوات الحكومية.
وأعلنت الحكومة السورية إدانتها “إعدامات ميدانية ارتكبتها مجموعات قسد بحق الأسرى”، فيما فتحت الجهات المدنية خططاً لإعادة تفعيل مؤسسات الدولة في المناطق المحررة.
وفي الوقت ذاته، أعلنت وزارة الداخلية انتشار وحداتها في مسكنة ودير حافر لتعزيز الأمن، تزامناً مع تحذير هيئة العمليات من أن غرب الفرات “منطقة عسكرية مغلقة” عقب خروقات من ميليشيات PKK.

بالتوازي، انطلقت عمليات تسلّم المرافق الحيوية في غرب الفرات، حيث أعلنت وزارات الطاقة والاتصالات والنفط عن استلام منشآت ومحطات رئيسية – بينها مجمع الثورة النفطي ومحطات البابيري والرصافة وصفيان – فيما أعادت الفرق الهندسية تشغيل سد الفرات وربطه تدريجياً بالشبكة الوطنية للكهرباء، خطوة وصفتها الجهات الفنية بأنها “انطلاقة جديدة للاستقرار الكهربائي والمائي في المنطقة الشرقية”.
لاحقاً، أعلن الجيش إحكام سيطرته على مدينة الشحيل بدير الزور وعلى الضفة اليسرى من نهر الفرات بعد تفجيرات نفذتها “قسد” لجسور الرقة، ما أدى إلى انقطاع ضخ المياه وتوقف حركة العبور.

الجنوب السوري والملف الأمني

في الجنوب، تجددت الانتهاكات الإسرائيلية بتوغلات محدودة في حوض اليرموك ومحيط عين زيوان وسويسة، وسط تقارير إسرائيلية عن اتفاق أمني جديد في إطار “الآلية المشتركة” بين واشنطن وتل أبيب ودمشق، يتضمن إعادة انتشار جزئي للجيش الإسرائيلي في الجولان. كما نفت سوريا تقارير عن نشر “رادار تركي” في مطار دمشق، مؤكدة طابعه المدني ضمن خطة تحديث الملاحة الجوية.

أمنياً، شهدت الحسكة تطورات متلاحقة تمثلت في هروب أكثر من 120 من عناصر “داعش” من سجن تابع لـ”قسد” في الشدادي، أعقبته عملية أمنية واسعة لوزارة الداخلية انتهت باعتقال 81 منهم وبدء ترتيبات لاستلام مخيم الهول والسجون التي تضم نحو 12 ألف معتقل داعشي.
كما أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية نقل سبعة آلاف من أسرى التنظيم إلى العراق لـ”منع مخاطر الفرار والتصعيد الأمني”.
وفي تطور مأساوي، استُشهد سبعة جنود سوريين في انفجار معمل لتصنيع المسيّرات قرب معبر اليعربية، اتهمت وزارة الدفاع “قسد” بالمسؤولية عنه، معتبرة أنه خرق لاتفاق وقف إطلاق النار في الحسكة.

اقتصاد وتحولات تنموية

اقتصادياً، رأت الحكومة السورية في “عودة الجزيرة السورية” خطوة استراتيجية تمهّد لاستقرار مالي بعد سنوات من الانكماش، وفق ما أكده وزير المالية محمد يسر برنية، الذي تحدث عن مرحلة جديدة عنوانها “الثقة والتنمية المتوازنة”، مدفوعة بتوحيد الموارد الوطنية.

كما تواصلت مشاريع الطاقة والإعمار في شرق البلاد بعد استعادة السيطرة على منشآت النفط والمياه، وتزايدت مؤشرات النهوض الرقمي بعد عودة خدمات Google Play إلى سوريا دون قيود.
وأكد رئيس الجمهورية أن المرسوم (13) وما تلاه من تفاهمات سياسية تمثل “الأساس المتين لوحدة وطنية قائمة على التنوع”، في حين دعت وزارة الأوقاف لرفع التكبير والدعاء للجيش “تقديراً لتضحياته الوطنية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews