عدن تنزع رداء الثكنات.. انطلاق خطة إخراج المعسكرات وتدشين عصر المنشآت المدنية

ضيف الله الطوالي – مراسلين
خلف أسوار المعسكرات التي طالما رسمت ملامح “العاصمة المؤقتة” لسنوات، بدأت محركات الآليات العسكرية تعزف لحن الرحيل. لم يكن مشهد مغادرة أطقم “ألوية العمالقة” لمعسكر “جبل حديد” الشهير مجرد تحرك عسكري روتيني، بل كان الإعلان العملي عن طي صفحة “عسكرة المدن” وبدء مرحلة جديدة تراهن فيها الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية على استعادة الوجه المدني لمدينة عدن.

البداية من “جبل حديد”
في صباح التاسع عشر من يناير 2026، بدأت أولى خطوات “إعادة التموضع” الفعلي. معسكر “جبل حديد” الذي يمثل رمزية عسكرية كبيرة في قلب المدينة، شوهد وهو يخلي عتاده وأسلحته بإشراف مباشر من القوات المشتركة للتحالف. لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لسلسلة من المشاورات المكثفة التي احتضنتها عدن والرياض، وشاركت فيها قيادة السلطة المحلية برئاسة المحافظ عبد الرحمن شيخ، ومستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني. هذا وقد جرت عملية التسليم والاستلام بهدوء لافت، حيث تسلمت “قوة حماية المنشآت” المواقع المخلاة، في إشارة واضحة إلى الرغبة في إحلال الأجهزة الأمنية المتخصصة محل التشكيلات القتالية التي وُجدت لظروف استثنائية فرضتها سنوات الحرب.
ثلاث مراحل لـ “التمدين”
خلف كواليس هذا الحراك، تبرز خطة زمنية محكمة كشف عنها اللواء الشهراني، تعتمد على ثلاث مراحل تدريجية. الهدف المعلن ليس مجرد نقل الجنود من نقطة “أ” إلى نقطة “ب”، بل هو تحويل هذه المواقع الإستراتيجية إلى منشآت مدنية تخدم سكان المدينة وتخضع لإدارة السلطة المحلية. هذا التوجه يعكس رغبة “مجلس القيادة الرئاسي” في إنهاء حالة “التشظي العسكري” التي عانت منها عدن منذ عام 2015. وبموجب الترتيبات الجديدة، سيتم دمج كافة التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، في خطوة يراها مراقبون أنها تهدف إلى “احتكار الدولة للسلاح” وتعزيز الجاهزية العسكرية لمواجهة التحديات المستقبلية بعيداً عن أزقة المدن المكتظة.

أمن بطابع حضاري
التحدي الأكبر الذي كان يواجه عدن هو “كيفية الحفاظ على الأمن دون مظاهر مسلحة؟”. الإجابة جاءت من خلال الترتيبات الأمنية الجديدة التي سيتولاها جهاز أمني محلي سيتم دعمه بآليات ومعدات خاصة، صُممت لتعكس “الطابع المدني والحضاري”.المحافظ عبد الرحمن شيخ، الذي أكد منذ أدائه اليمين الدستورية على ضرورة “القطيعة التامة مع عسكرة الحياة”، يرى في خروج المعسكرات بوابة لاستقرار الخدمات وتدفق الاستثمارات. فالمواقع التي كانت تشغلها الدبابات والمدرعات، من المتوقع أن تتحول قريباً إلى حدائق عامة، أو مرافق خدمية، أو مشاريع تنموية تعيد لعدن بريقها كميناء عالمي ومدينة للتعايش.

إستراتيجية “قبضة الدولة”
يأتي هذا التحول العسكري في سياق سياسي أوسع، تقوده اللجنة العسكرية العليا برئاسة رشاد العليمي وبدعم مباشر من الرياض. ومع وصول دفعات من قوات “درع الوطن” وتغير موازين القوى في المحافظات الجنوبية والشرقية، يبدو أن التحالف قرر حسم ملف العاصمة المؤقتة تنظيمياً وأمنياً. وإن خروج المعسكرات من عدن ليس مجرد “إعادة تموضع” فني، بل هو رسالة سياسية مفادها أن مرحلة “الفصائل” قد بدأت تتلاشى لصالح “مؤسسات الدولة”. وبينما تترقب الأوساط اليمنية الإعلان عن المواقع الجديدة التي ستنتقل إليها القوات، يبقى الأمل معلقاً في أن تكون هذه الخطوة هي الحجر الأساس لاستقرار دائم ينهي سنوات من الاضطراب في “ثغر اليمن الباسم”.



