كيف تهدد حرارة الذكاء الاصطناعي البنية الرقمية العالمية؟

علي زم – مراسلين
مع الاندفاع الهائل نحو بناء مراكز البيانات في مختلف أنحاء العالم، مدفوعا بتوسع الشركات في تفويض تخزين معلوماتها للخدمات الخارجية وبارتفاع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وجد هذا القطاع نفسه أمام تحدٍ جوهري لم يعد بالإمكان تجاهله: كيف يمكن إبقاء هذه المنظومات العملاقة في درجة حرارة تسمح لها بالاستمرار دون انهيار؟
أعاد الخلل الذي وقع يوم الخميس 27 نوفمبر في أكبر مشغّل لبورصات العالم، مجموعة CME، مشكلة ارتفاع حرارة مراكز البيانات إلى الواجهة، بعدما أدى إلى توقف التداولات في منصتها الشهيرة للعملات، إضافة إلى عقود العملات والسلع وأذون الخزانة والأسهم.

وجاء الخلل نتيجة عطل في نظام التبريد داخل مراكز بيانات شركة “سايرس ون”، وهي شركة مقرها في تكساس وتشغّل أكثر من 55 مركزا في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
وقالت الشركة يوم الجمعة إن فرقها الفنية تعمل في مركز البيانات قرب شيكاغو لإعادة تشغيل نظام التبريد.
ما مصدر الحرارة؟
تستهلك الخوادم القوية الخاصة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية كميات ضخمة من الطاقة لمعالجة البيانات، ما يولد حرارة عالية. وتعجز أنظمة التبريد التقليدية المعتمدة على الهواء في كثير من الأحيان عن التحكم بهذه الحرارة بكفاءة.
وتعمل مراكز البيانات عبر صفوف من الخوادم التي لا تتوقف عن العمل ولا عن استهلاك الكهرباء، وكلما ارتفعت حرارتها ارتفعت الحاجة إلى تبريد مستمر. وتحتاج الشرائح الإلكترونية داخل هذه المراكز إلى البقاء ضمن نطاق حراري محدد، وإلا تواجه خللا في الأداء أو تتوقف تماما.

ما الخيارات المتاحة لمشغّلي مراكز البيانات؟
انتقلت العديد من مراكز البيانات من التبريد الهوائي إلى استخدام الماء أو سوائل مخصّصة، لأن التبريد بالسوائل يفوق كفاءة الهواء بنحو ثلاثة آلاف مرة في نقل الحرارة. لكن هذا الخيار يفرض تحديات تقنية، من مخاطر التسرّب والتآكل إلى الحاجة لصيانة متخصصة واستهلاك كبير للمياه.
وحاولت شركات عدة تقليل الاعتماد على السوائل. وكشفت مايكروسوفت العام الماضي عن نموذج جديد لمركز بيانات لا يستخدم أي مياه في التبريد، إذ تعتمد تقنيته على دورة مغلقة للمياه بين الخوادم ووحدات التبريد لنقل الحرارة دون الحاجة إلى مصدر جديد. كما ظهرت تقنيات تستعيد الحرارة الناتجة داخل مراكز البيانات وتعيد استخدامها.
ما مدى شيوع الانقطاعات الناتجة عن مشكلات التبريد؟
يقول دانيل ميونتن، وهو مدير في قسم البنى التحتية والطاقة والموارد الطبيعية في شركة قانونية معروفة، إن الانقطاعات في مراكز البيانات “نادرة جدا” لأن المشغّلين ملزمون تعاقديا بالحفاظ على عمل الأنظمة طوال الوقت. ويشير إلى أن بعض المراكز مطالبة بالعمل “أكثر من 99.99%” من الوقت.
ويضيف أن الانقطاعات المرتبطة مباشرة بأنظمة التبريد “أندر بكثير”، موضحا أن أغلب المشكلات التي تُسجَّل تتعلق بالكهرباء وليس بالتبريد.
موجة استثمار في تقنيات تبريد مراكز البيانات
أطلق الارتفاع المتسارع في الطلب العالمي على مراكز البيانات موجة استثمارات وصفقات ضخمة داخل هذا القطاع، مع تنافس الشركات على توسيع قدراتها لمواجهة النمو الكبير في استهلاك الطاقة وفي الحاجة المستمرة إلى التبريد.
ويقول خبراء إن ما يصل إلى 40 في المئة من إجمالي الطاقة المستهلكة داخل مراكز البيانات يُخصص للحفاظ على برودتها، وهي نسبة تُظهر حجم هذه الصناعة المتنامية.
وأعلنت شركة “إيتون”، وهي شركة أمريكية متعددة الجنسيات في مجال إدارة الطاقة والمعدات الكهربائية، عن شراء القسم الحراري لشركة صناعية أمريكية كبرى مقابل 9.5 مليارات دولار، في خطوة يراها مراقبون استجابة للطلب المتزايد المدفوع بالذكاء الاصطناعي.
كما وقّعت شركة “فيرتيف”، وهي شركة أمريكية متخصصة بالبنى التحتية والطاقة للأنظمة الرقمية الحساسة، صفقة بقيمة مليار دولار لشراء شركة “برج رايت” بهدف توسيع خدمات التبريد السائل لديها، باعتبار “برج رايت” من الشركات الرائدة في خدمات تنظيف وتصريف ومعالجة السوائل داخل أنظمة التبريد السائل لمراكز البيانات والمنشآت الصناعية.




