تحولات إدراك الأمن والثقة المؤسسية في إسرائيل

قراءة تحليلية في مخرجات استطلاع الأمن القومي – نوفمبر 2025
إعداد: أبوبكر إبراهيم أوغلو
باحث في الشؤون السياسية والأمنية
ملخص تنفيذي
تكشف نتائج استطلاع الأمن القومي الإسرائيلي الصادر في نوفمبر 2025 عن بنية إدراكية مركّبة داخل المجتمع الإسرائيلي، تقوم على تداخل القلق الأمني الخارجي مع تصاعد أزمة الثقة الداخلية بالمؤسسات السياسية، وتآكل التضامن الاجتماعي. وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل، في مرحلة ما بعد صدمة 7 أكتوبر، لا تواجه أزمة أمنية تقليدية بقدر ما تواجه أزمة قرار وشرعية سياسية وإجماع مجتمعي، مع استمرار تمتع المؤسسة العسكرية بأعلى مستويات الثقة مقارنة بمؤسسات الحكم المدني.
تسعى هذه الدراسة إلى إعادة عرض نتائج الاستطلاع ضمن إطار تحليلي يربط بين المتغيرات الأمنية والسياسية والاجتماعية، ويبيّن دلالاتها الاستراتيجية على مستوى صناعة القرار الإسرائيلي.
أولًا: الإطار المنهجي ومعطيات الاستطلاع
يعتمد هذا المقال على استطلاع الأمن القومي الذي أُجري في الفترة ما بين 13–16 نوفمبر 2025، بإشراف معهد دراسات الأمن القومي (INSS) – مركز جمع وتحليل البيانات. شملت العيّنة 951 مشاركًا (801 باللغة العبرية و150 باللغة العربية)، وتمثل السكان البالغين في إسرائيل (18 عامًا فأكثر)، بهامش خطأ ±3.17% عند مستوى ثقة 95%.
ولا تكتسب أهمية هذا الاستطلاع من نتائجه الرقمية فحسب، بل من كونه أداة لقياس بنية الوعي الأمني والسياسي لدى المجتمع الإسرائيلي في مرحلة استثنائية.
ثانيًا: تقييم الأمن القومي – إدراك متأرجح بين القلق والأمل
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن أقل من ثلث الجمهور الإسرائيلي (29%) يقيّم الوضع الأمني القومي الحالي على أنه جيد، مقابل 27% يرونه سيئًا، و44% يضعونه في خانة “المتوسط”. هذا التقييم الوسطي لا يعكس استقرارًا بقدر ما يدل على غموض استراتيجي في تصور المرحلة.
الملفت أن التقييم الإيجابي للأمن القومي يرتفع بصورة واضحة بين الجمهور اليهودي ومصوّتي الائتلاف، بينما ينخفض بشكل حاد لدى العرب داخل إسرائيل ومصوّتي المعارضة. ويعكس هذا التباين أن إدراك الأمن لا ينفصل عن الموقع السياسي والهويّاتي داخل الدولة، وليس عن الوقائع الأمنية وحدها.
ثالثًا: المستقبل الأمني – تفاؤل انتقائي لا إجماع عليه
رغم القلق القائم، يظهر الاستطلاع أن 41% من الإسرائيليين يتوقعون تحسنًا في الوضع الأمني خلال خمس سنوات، مقابل 22% يتوقعون تدهورًا. غير أن هذا التفاؤل ليس جامعًا، بل انتقائي ومسيّس:
- بين اليهود: يقارب التفاؤل نصف الجمهور.
- بين العرب: تسود نظرة تشاؤمية واضحة.
- سياسيًا: التفاؤل مرتبط بمعسكر اليمين والائتلاف، بينما يغيب لدى المعارضة والمركز–اليسار.
يدل ذلك على أن الرؤية المستقبلية للأمن القومي باتت مرآة للانقسام السياسي، لا نتيجة قراءة توافقية للمشهد الإقليمي.
رابعًا: هرم التهديدات – صعود الضفة وتثبيت إيران
يعيد الاستطلاع ترتيب سلم التهديدات الأمنية من منظور الجمهور الإسرائيلي. فبينما تحافظ إيران على موقعها كتهديد مركزي، تبرز الضفة الغربية (يهودا والسامرة) كالساحة الأكثر إقلاقًا للجمهور اليهودي بنسبة 77%.
تكمن دلالة هذا المعطى في أن الضفة لم تعد تُرى كساحة “ضبط أمني” تقليدي، بل كمجال احتكاك دائم بين:
- الأمن والهوية،
- الجيش والسياسة،
- الدولة والمستوطنين.
في المقابل، تتراجع مستويات القلق من سوريا واليمن، ما يعكس أولويات تهديد آنية أكثر من كونها استراتيجية بعيدة المدى.
خامسًا: الأمن الشخصي – الفجوة الأخطر في البنية المجتمعية
يسجّل الاستطلاع انخفاضًا حادًا في الشعور بالأمن الشخصي، من 37% في أكتوبر إلى 28% في نوفمبر 2025. وتُعد هذه النتيجة من أخطر مؤشرات الدراسة، لأنها تنقل النقاش من مستوى الدولة إلى مستوى الفرد.
الفجوة بين اليهود والعرب هنا بالغة الوضوح:
- اليهود: ثلثهم يشعر بأمن شخصي مرتفع.
- العرب: 55% يشعرون بأمن منخفض أو منخفض جدًا.
يعكس ذلك فشلًا بنيويًا في قدرة الدولة على فرض شعور بالحماية المتساوية، ويُسهم في تعميق الاغتراب السياسي والاجتماعي لدى المواطنين العرب.
سادسًا: الثقة بالمؤسسات – الجيش خارج الأزمة، السياسة في قلبها
تكشف نتائج الاستطلاع عن معادلة ثابتة:
- ثقة مرتفعة جدًا بالمؤسسة العسكرية والأمنية (الجيش، الشاباك، رئيس الأركان).
- ثقة متدنية جدًا بالمستوى السياسي (الحكومة، رئيس الحكومة، الوزراء).
- انقسام حاد حول الجهاز القضائي يعكس الاستقطاب الأيديولوجي.
يرى 59% من الجمهور أن قرارات المستوى السياسي لا تستند أساسًا إلى اعتبارات مهنية، وهو مؤشر خطير على أزمة شرعية القرار، لا سيما في قضايا الأمن القومي.
في المقابل، ورغم الثقة العامة بالجيش، فإن الثقة بقدرته على التحقيق واستخلاص العبر من إخفاقات 7 أكتوبر تبقى منقسمة، ما يدل على بداية تصدّع في صورة “الجيش المعصوم من الخطأ”.
سابعًا: الحرب والسلام – شرعية القوة بلا أفق سياسي
تعكس مواقف الجمهور تفضيلًا واضحًا لـالخيارات العسكرية المحدودة، خاصة في الشمال والضفة، مقابل رفض واسع لأي تسوية سياسية شاملة على أساس حل الدولتين، وخصوصًا بين اليهود واليمين.
هذه النتيجة تضع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة مأزومة:
- استعداد جماهيري لاستخدام القوة،
- إدراك لمخاطر العزلة الدولية،
- لكن غياب تفويض شعبي حقيقي لأي حل سياسي طويل الأمد.
ثامنًا: المجتمع الإسرائيلي – تضامن متآكل وهوية متنازع عليها
تشير النتائج إلى أن 65% من الجمهور يعتقدون أن التضامن الاجتماعي ضعيف أو شبه غائب. ويترافق ذلك مع انقسامات حادة حول:
- تجنيد المتدينين،
- دور الإعلام العسكري،
- مشاركة العرب في الحكم.
هذا الواقع يعكس أن إسرائيل تواجه أزمة هوية ووظيفة الدولة بقدر ما تواجه تهديدات أمنية.
خاتمة: من أزمة أمن إلى أزمة بنيوية
تخلص هذه الدراسة إلى أن نتائج استطلاع الأمن القومي – نوفمبر 2025 – لا تشير إلى دولة فاقدة للقوة، بل إلى دولة تعاني من تشوّه في العلاقة بين القوة والشرعية. ففي ظل ثقة مفرطة بالمؤسسة الأمنية وتراجع حاد في الثقة السياسية والاجتماعية، تصبح إدارة المخاطر ممكنة، لكن صناعة القرار الاستراتيجي الشامل محفوفة بالعجز والانقسام.
وعليه، فإن التحدي الأكبر الذي تواجهه إسرائيل في المرحلة المقبلة ليس حدودها أو خصومها فقط، بل إعادة بناء الحد الأدنى من الإجماع الداخلي الضروري لأي استراتيجية وطنية قابلة للاستمرار.



