أخبارمقالات

إسرائيل… الدولة التي يفكر أبناؤها في الرحيل

قراءة في الهجرة العكسية وسباق الجنسيات

بقلم: أبوبكر إبراهيم أوغلو

لم يعد التفكير في مغادرة إسرائيل حكرًا على هوامش المجتمع أو لحظات الإحباط الفردي، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى خيار مطروح بجدية داخل شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما بين الشباب المتعلّم وأصحاب الكفاءات. وحين يبدأ هذا التفكير بالتحول إلى سلوك قابل للتنفيذ، مدعوم بأرقام وإجراءات قانونية للحصول على جنسيات بديلة، فإن الأمر يتجاوز كونه ظاهرة اجتماعية ليصبح أزمة ثقة بنيوية تمسّ مستقبل الدولة نفسها.


من “دولة هجرة” إلى دولة يُفكَّر في الرحيل عنها

قامت إسرائيل تاريخيًا على فكرة الهجرة إليها باعتبارها ركيزة وجودية وأيديولوجية. غير أن هذه المعادلة بدأت تتآكل بصمت. بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي تشير إلى منحنى تصاعدي حاد في أعداد المغادرين لفترات طويلة: من نحو 43 ألف مغادر عام 2021، إلى أكثر من 59 ألفًا في 2022، ثم قرابة 83 ألف مغادر في 2023، مع مؤشرات أولية تُظهر استمرار الاتجاه نفسه خلال 2024.

ما يجعل هذه الأرقام خطرة ليس حجمها فقط، بل نوعية من يغادرون: شباب مهنيون، أطباء، مهندسون، وعاملون في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. أي أن الهجرة لم تعد هامشية أو مؤقتة، بل باتت تمس القلب الإنتاجي للمجتمع.


اقتصاد متماسك… ومجتمع قَلِق

رغم ذلك، لا يزال الاقتصاد الإسرائيلي يُظهر قدرًا كبيرًا من المتانة. مؤسسات اقتصادية وإدارية مهنية استطاعت، حتى الآن، العزل النسبي بين الأداء الاقتصادي والفوضى السياسية. لكن هذا الصمود الاقتصادي يخفي تحته مجتمعًا يعيش حالة قلق بنيوي متزايد.

فالاقتصاد لا يقوم على الأرقام وحدها، بل على الثقة. ومع تصاعد الانقسام السياسي، وتآكل الثقة بالمؤسسات، وتحوّل الأزمات الأمنية إلى جزء من الحياة اليومية، بات الشعور بالمستقبل أكثر هشاشة، لا سيما لدى الفئات التي تملك القدرة على المقارنة والاختيار.


الأمن من عنصر طمأنينة إلى استنزاف نفسي

لطالما كانت “المعادلة الأمنية” أساس العقد غير المكتوب بين الدولة ومواطنيها: أمن مقابل ولاء. إلا أن السنوات الأخيرة كشفت مفارقة لافتة: قدرة الردع العسكري تراجَع أثرها النفسي، بينما ازداد الشعور بعدم الأمان الشخصي.

الحروب لم تعد أحداثًا استثنائية، بل تحوّلت إلى حالة دائمة من الاستنفار، ما انعكس مباشرة على القرارات المصيرية: السكن، تربية الأبناء، والاستثمار طويل الأمد في المكان. وهذا الاستنزاف النفسي، وإن كان غير مرئي، يُعد من أقوى محركات الهجرة الصامتة.


سباق الجنسيات… حين يصبح الجواز خطة طوارئ

أحد أكثر المؤشرات دلالة على أزمة الثقة هو الاندفاع المتزايد نحو الحصول على جنسيات أجنبية. فالجواز الأوروبي أو الأمريكي لم يعد رمزًا للوجاهة الاجتماعية، بل بات يُنظر إليه كـ “خطة بديلة” وحقيبة طوارئ جاهزة.

خلال أقل من عقد، تقدّم أكثر من 100 ألف إسرائيلي بطلبات للحصول على الجنسية البرتغالية وحدها، فيما تصاعدت طلبات الجنسيات الألمانية والبولندية وغيرها. هذه الظاهرة لا تعني هجرة فورية بالضرورة، لكنها تعبّر عن تحوّل عميق في الوعي: إسرائيل لم تعد في نظر كثيرين “الملاذ النهائي”، بل خيار من بين خيارات.


الهجرة العكسية في السياق التاريخي: لماذا تختلف الموجة الراهنة؟

عرفت إسرائيل الهجرة إلى الخارج منذ تأسيسها، لكن المقارنة التاريخية تُظهر بوضوح أن الموجة الحالية مختلفة نوعيًا.

في الخمسينيات والستينيات، كانت الهجرة محدودة الحجم وغالبًا مؤقتة، مرتبطة بصعوبات الاندماج الاقتصادي.
في أعقاب حرب 1973، شهدت البلاد هجرة اقتصادية وأمنية أوسع نحو الولايات المتحدة وأوروبا، حيث غادر ما بين 200 إلى 300 ألف شخص خلال عقد كامل، لكن نسبة كبيرة منهم عادت لاحقًا مع تحسّن الأوضاع.

أما في التسعينيات، فقد انعكست المعادلة كليًا: صافي الهجرة أصبح إيجابيًا، وبرزت إسرائيل كدولة جذب بفعل موجة الهجرة من الاتحاد السوفياتي وازدهار قطاع الهايتك.

ما يجعل موجة 2022–2025 مختلفة وخطِرة هو ثلاثة عناصر مجتمعة:

  1. الحجم: أكثر من 140 ألف مغادر خلال عامين فقط.
  2. النوعية: مغادرة ممنهجـة لرأس المال البشري المتعلّم والمنتج.
  3. سباق الجنسيات: ظاهرة لم تكن قائمة في أي موجة سابقة، وتعكس فقدان الثقة لا مجرد ضائقة مؤقتة.

الهجرة هنا لم تعد اضطرارًا، بل قرارًا عقلانيًا محسوبًا في نظر أصحابها.


البقاء كاستثمار قسري

كثير من الإسرائيليين لا يغادرون، لا بدافع الاقتناع، بل لغياب القدرة. الضرائب، الادخار التقاعدي، والعقار تجعل الأغلبية مستثمرين قسرًا في الدولة. لكن الاستثمار القسري لا يصنع ولاءً مستدامًا، ولا يعوّض غياب الثقة.

الدولة التي يعتمد استقرارها على أن مواطنيها “لا يملكون خيارًا آخر”، دولة تدخل منطقة خطر بطيئة لكنها عميقة.


أزمة ثقة لا أزمة هوية

المسألة الجوهرية ليست أزمة هوية قومية بقدر ما هي أزمة ثقة: ثقة بالمؤسسات، بالمستقبل، وبقدرة الدولة على الحفاظ على توازن مقبول بين الأمن، الحرية، والازدهار.

حين يبدأ المواطن في إعداد بدائل قانونية للحياة خارج دولته، فإن الدولة تكون قد فشلت في طمأنته، حتى وإن نجحت مؤقتًا في حمايته.

اختبار البقاء الصامت

لا تواجه إسرائيل اليوم خطر الانهيار السريع، لكنها تخوض اختبارًا أعمق: اختبار الاستمرار بالنموذج نفسه في ظل هجرة عكسية متنامية، ونزيف لرأس المال البشري، وسباق صامت نحو الجنسيات البديلة. هذه الظواهر لا تعبّر عن أزمة عابرة، بل عن تآكل تدريجي في الثقة بالعقد الذي يربط الدولة بمواطنيها.

الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد من يغادرون، بل في نوعية القناعة التي تتآكل لدى من يفكرون في الرحيل. فالدولة التي يصبح فيها البقاء خيارًا اضطراريًا، لا اختيارًا واعيًا، تفقد أحد أهم مقومات الاستقرار طويل الأمد، حتى وإن احتفظت بعناصر القوة الظاهرة.

اللحظة الراهنة تضع إسرائيل أمام مفترق واضح: إما إعادة بناء الثقة، واستعادة الإحساس بأن المستقبل داخل الدولة أكثر قابلية للحياة، أو الاكتفاء بإدارة أزمة تتعمّق بصمت. وفي هذا الاختبار، لن يكون الحسم عسكريًا أو اقتصاديًا بقدر ما سيكون رهانًا على الإنسان وثقته بالمكان.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews