تقارير و تحقيقات

«أكسجين سجين»… صحفي سوداني يروي لمراسلين كيف قادته الكلمة إلى السجن وكيف تحوّل القهر إلى شهادة مكتوبة

نشوة أحمد الطيب_خاص مراسلين

«سُجنت لأنني دافعت عن وطني»… بوح صحفي سوداني خرج من الزنزانة ليكتب الحقيقة

في بوحٍ خاص لـ شبكة مراسلين، يفتح الصحفي والكاتب السوداني د. أحمد علي عبد القادر محمد صالح قلبه، ويروي شهادته كاملة عن سنوات السجن، وثمن الكلمة، وكتابٍ وُلد بين الجدران…

يقول د. أحمد علي عبد القادر محمد صالح، وهو يستعيد رحلته بنبرة هادئة تخفي تحتها كثيرًا من الألم : «لم أكن أتصوّر يومًا أن الدفاع عن وطني سيقودني إلى السجن، وأن تُكافأ الكلمة التي كُتبت بدافع الانتماء بأربع سنوات من الحرمان من الحرية».

على مدى 17 عامًا، عمل في الصحافة الورقية، والإذاعة، والتلفزيون، محررًا ومعدًا ومذيع أخبار، ومدير برامج، ومؤسسًا ورئيس تحرير لعدد من الصحف الورقية والإلكترونية داخل السودان وخارجه.
يتابع: «بدأت رحلتي من صحيفة الكورة عام 2006، ثم الهلال في 2007، وشاركت في تأسيس صحف مثل حبيب البلد، والتيار، والحقيقة السياسية، وصدى الملاعب، وأسست صحيفة القرار السياسية في 2013، وعملت في الجريدة والشاهد، وترأست تحرير منصات إلكترونية عديدة. خارج الوطن، عملت منسقًا إعلاميًا للاتحاد الآسيوي، ودرّبت أجيالًا من طلاب الإعلام».

إلى جانب عمله الصحفي، يحمل د. أحمد سجلًا أكاديميًا ومهنيًا طويلًا: دكتوراه في العلاقات الدولية والدبلوماسية، سفير السلام العالمي بمنظمة Global Peace Chain لعامي 2025–2026، مستشار تحكيم في المنازعات الدولية، مدرب إعلامي ومدرب موارد بشرية وتدريب مدربين (TOT)، منتج الفيلم الوثائقي “حرب الكرامة – ملحمة الصمود السوداني”، وحائز على جائزة أفضل مراسل صحفي عربي صاعد ثلاث مرات (2012–2013–2014)، إضافة إلى كونه شاعرًا في المديح النبوي وعضوًا في اتحادات صحفية دولية وإقليمية.

لكن هذه المسيرة، كما يقول، توقفت فجأة عند عام 2021.
«قضيتي بدأت بسبب مقابلات تلفزيونية وتغريدات تعود إلى 2017، في وقت كان السودان يتعرض لهجوم إعلامي وسياسي مباشر، واتهامات خطيرة بأنه يؤوي جماعات إرهابية. موقفي كان واضحًا: دافعت عن تراب وطني وسيادته وسمعته. كل ما كتبته كان في هذا الإطار فقط».

ويضيف: «رغم ذلك، تحوّل الموقف إلى قضية سياسية بحتة. أُوقفت، ثم حُوكمت، وصدر الحكم بسجني أربع سنوات كاملة بالمملكة العربية السعودية كانت قضية رأي خالصة: بلا عنف، بلا تحريض، بلا أي مكسب شخصي… مجرد كلمة دفعت ثمنها حريتي».

عن تجربة السجن، يتوقف قليلًا قبل أن يتابع:
«في الزنزانة، لم تكن الأيام أرقامًا. كانت عزلة خانقة، وقهرًا نفسيًا، وإحساسًا دائمًا بالظلم. حاولت أن أبقى متماسكًا، أعيش على الذاكرة، وعلى إيماني بأن ما فعلته لم يكن خطأ. كنت أحلم فقط أن أخرج يومًا لأحكي، لا لأنتقم، بل لأشهد».

الألم، كما يقول، لم يكن في السجن وحده.
«لم أجد دعمًا رسميًا من مؤسسات بلادي: لا نقابة، لا اتحاد صحفيين، لا وزارة خارجية، لا حكومة. شعرت بخذلان كامل، وكأنني يتيم. وبعد أن قضيت أربع سنوات في السجن خارج الوطن، وعدت إلى بلدي، فوجئت بحظر جواز سفري على خلفية القضية نفسها».

ورغم ذلك، يضيف بصوت ثابت:
«اخترت ألا أنكسر. لم أساوم على وطني، ولم أغيّر موقفي، ولم أستبدل القهر بالحقد. خرجت من السجن أكثر وعيًا بثمن الكلمة، وبالمسؤولية الأخلاقية للصحفي».

وجد د. أحمد تضامنًا من منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية، مراسلون بلا حدود، قلم أمريكا، منظمة سند الحقوقية، إضافة إلى دعم محدود من أصدقاء وزملاء، وحزب سوداني شبابي واحد هو حزب بناء المستقبل، مقابل صمت مؤلم من جهات كان يُفترض أن تكون في الصف الأول.

من داخل المعتقل، كتب كتابه «أكسجين سجين».
«هذا الكتاب كان الهواء الذي تنفسته في الزنزانة. ليس مجرد سيرة، بل شهادة. محاولة لفهم ما حدث، وتوثيق لتجربة إنسان حوكم لأنه مارس مهنته ودافع عن وطنه».

يوضح أن النسخة الأولى تمثل مقدمة فقط لهذه الرحلة، بينما ستأتي نسخة ثانية «أقوى بعشرة أضعاف»، أُجلت لاعتبارات وطنية بسبب الحرب. ومن المقرر تدشين الكتاب رسميًا في 5 فبراير 2026، مع توفره في معرض القاهرة الدولي للكتاب اعتبارًا من 22 يناير 2026.

ويختم حديثه قائلًا:
«الدليل أن السجن لم يكسرني، أنني خرجت أكثر قوة، وتم اختياري سفيرًا للسلام العالمي، وبدأت رحلة جديدة في التأليف الفكري. رسالتي لكل صحفي: قد تسجنك الكلمة… لكنها يجب ألا تكسرك».

Nashwa Ahmed

صحفيةٌ سودانيةٌ متخصِّصةٌ في التحقيقات الصحفية، والتقارير، وتغطية ومعالجة القضايا الاجتماعية والتنموية، والقصص الصحفية بطرحٍ مهنيٍّ معمَّق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews