أخبارتقارير و تحقيقات

الكارثة تتكرر… غزة تغرق مجددًا

آية علي معروف – مراسلين


ليست الأمطار في غزة حدثًا طارئًا، ولا ما تشهده من غرق وانهيار مشهدًا عابرًا، بل هي كارثة إنسانية تتكرر كل شتاء، وتزداد قسوة في ظل الحصار والعدوان المستمر. ما يحدث اليوم ليس نتيجة قسوة الطقس وحدها، وإنما نتيجة مباشرة لواقع إنساني هش تُرك عمدًا بلا حماية.


تغرق غزة لأن خيام النازحين مهترئة، لا تصمد أمام أول منخفض جوي، فتتسلل المياه من كل زاوية، وتتحول أرضياتها إلى طين بارد يبتلع ما تبقى من دفء العائلات. وتغرق لأن مراكز الإيواء غير مهيأة أصلًا، فمع كل عاصفة تتحول من ملاذ إلى خطر، وتفقد قدرتها على توفير الحد الأدنى من الأمان. وتغرق كذلك لأن آلاف العائلات ما زالت تقطن منازل مدمرة جزئيًا، تنهار فوق ساكنيها مع أول هطول كثيف للأمطار.

ويزداد المشهد قتامة مع الغياب شبه الكامل لوسائل التدفئة، إذ لم يُسمح إلا بإدخال أقل من 10٪ من الوقود المتفق عليه، ليواجه الناس البرد القارس بلا كهرباء ولا وقود ولا بدائل. يرافق ذلك تعطيل متعمّد للإغاثة، فالمساعدات التي سُمح بدخولها لا تكاد تُذكر أمام حجم الكارثة، بينما تقف بنية تحتية مدمرة عاجزة عن تصريف مياه الأمطار، في شوارع مجرفة وشبكات صرف مشلولة.

الأرقام هنا ليست مجرد بيانات، بل انعكاس مباشر لمعاناة إنسانية واسعة. فمنذ بدء المنخفضات الجوية، تضرر 46 منزلًا، ويعيش أكثر من 900 ألف فلسطيني في خيام مؤقتة لا تقي من برد الشتاء. وغمرت السيول نحو 90٪ من مراكز الإيواء، فيما خرجت 125 ألف خيمة عن الخدمة، تاركة آلاف العائلات بلا مأوى. ولم يتحمل جسد طفلين قسوة البرد القارس، فكانت الوفاة نتيجة طبيعية لواقع لا يرحم


كل ذلك يحدث في قطاع يعيش أصلًا تحت وطأة حرب إبادة مستمرة، خلّفت حتى الآن استشهاد 71,266 شخصًا وإصابة 171,219 آخرين. في غزة، لا تنفصل الكارثة المناخية عن سياقها السياسي، ولا يمكن فصل البرد والجوع عن الحصار والقصف. فالموت هنا لا يأتي من اتجاه واحد، بل يتعدد في صوره وأسبابه.

غزة اليوم لا تحتاج إلى تعاطف عابر، بل إلى حلول حقيقية تبدأ بتوفير إيواء فعلي عبر بيوت متنقلة وكرفانات، بدل الاكتفاء بالخيام. وتحتاج إلى حماية السكان من الانهيارات عبر تقييم المباني المتضررة وتوفير بدائل آمنة. كما تحتاج إلى إدخال كميات الوقود المتفق عليها كاملة، دون قيود، لضمان التدفئة والكهرباء. والأهم، رفع القيود عن المساعدات الإنسانية وتكثيفها بما يتناسب مع حجم المأساة، إلى جانب البدء الفوري بعملية إعادة الإعمار.

ما تشهده غزة اليوم ليس كارثة طبيعية، بل نتيجة حتمية لواقع مفروض بالقوة، وصمت دولي طويل. فهي لا تغرق بسبب المطر وحده، بل بسبب حرمانها المستمر من أبسط مقومات الحياة. وفي كل شتاء جديد، تتجدد المأساة ذاتها، فيما يبقى الإنسان الفلسطيني يدفع الثمن وحده.

خاص - مراسلين

شبكة مراسلين هي منصة إخبارية تهتم بالشأن الدولي والعربي وتنشر أخبار السياسة والرياضة والاقتصاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews