تقارير و تحقيقاتسوريا

المهندسة المعمارية السورية لونا رجب .. حين تلتقي الخبرة العربية والدولية في ترميم جامع الزيتونة

مشروع تراثي تونسي بتمويل سعودي ورؤية علمية سورية تعيد للزيتونة إشعاعه

محمد سمير طحان – خاص مراسلين

لقاء عند تقاطع العلم والذاكرة
في قلب العاصمة دمشق ، وضمن مكتب والدها المهندس الاستشاري الراحل أحمد لؤي رجب الذي شهد دراسات لأهم المشاريع المعمارية وإعادة تأهيل وترميم أبرز الأوابد الأثرية في سوريا وخارجها ، هناك التقينا بالمهندسة المعمارية الاستشارية لونا رجب ، المتخصصة في ترميم وصون التراث، وإحدى أعضاء التجمع الاستشاري الفائز بمشروع إعادة تأهيل جامع الزيتونة المعمور في تونس ومحيطه، للحديث عن مشروع يتجاوز حدود الترميم الهندسي، ليغدو نموذجاً للتكامل العربي في حماية الذاكرة المادية المشتركة.

مشروع بتمويل تنموي ورؤية عربية مشتركة
رجب التي عادت من تونس إلى دمشق مؤخراً توضح في مستهل حديثها لشبكة مراسلين أن المشروع يندرج ضمن برنامج دراسات وتنفيذ ترميم وتأهيل المعالم التاريخية، وهو ممول من قبل البنك السعودي للتنمية، في إطار دعم صون التراث الإسلامي وتعزيز استدامته.وتقول : “تم إطلاق المشروع عبر استدراج عروض فنية ومالية مفتوحة، شملت الجهات التونسية والسعودية، إلى جانب مكاتب وتجمعات استشارية من جنسيات مختلفة، بما يضمن التنافسية والشفافية واختيار الأفضل علمياً وتقنيا ، واستطعنا بفضل الله الفوز بالمشروع”.

استدراج مفتوح… وتجمع استشاري متعدد الخبرات
وعن مشاركة فريقها، تشير رجب إلى أن التجمع الاستشاري الذي تقدمت ضمنه ضمّ: مكتب AWA Partners التونسي، مكتب IDezign التونسي، مكتباً استشارياً سعودياً، وخبيراً فرنسياً متخصصاً في ترميم الأخشاب التاريخية، إلى جانب خبرتها كاختصاصية في ترميم الآثار والمواقع التاريخية مع فريقها الهندسي المتعدد الاختصاصات ومن ضمنها السينوغرافيا.
وتضيف:” تقدّمنا بمنهجية متكاملة لأعمال الترميم والتأهيل، مرفقة بجميع الوثائق الفنية والقانونية والثبوتيات التي تبيّن خبرة هذا التجمع في مشاريع تراثية كبرى، سواء على مستوى الدراسات أو التنفيذ “.

جامع الزيتونة وجامع عقبة بن نافع… مشروعان ورؤية واحدة
وتكشف رجب أن الاستدراج شمل مشروعين تراثيين كبيرين هما : جامع الزيتونة الأعظم في تونس العاصمة، وجامع عقبة بن نافع في القيروان، أقدم مسجدين على الاطلاق في منطقة المغرب العربي ومن الأقدم في العالم الإسلامي.
وتقول : “تقدّم للمشروعين ستة مكاتب استشارية، غالبيتها تجمعات تضم خبرات من جنسيات متعددة، وبعد التقييم الفني والمالي، تم تأهيل تجمعنا، ورسا عليه المشروعان”.

قرار الممول… توزيع المشاريع لضمان الجودة
وتوضح رجب أن الجهة الممولة، وبعد إرساء المشروعين على التجمع ذاته، قررت لاحقاً إعادة استدراج العروض مجددًا ليربح تجمعنا مرة ثانية مشروع جامع الزيتونة ويتم إسناد المشروع الثاني إلى فريق استشاري آخر، موضحة أن هذا “القرار جاء بناءً على رغبة الجهة الممولة في توزيع المشاريع على أكثر من فريق، بما يضمن أعلى مستويات التركيز والجودة في الدراسات التنفيذية مقارنة مع المدد المحدد للدراسات”، وهو توجه تراه المهندسة لونا صحياً ومهنياً في مشاريع بهذا الحجم والأهمية.

منهجية العمل: العلم قبل التدخل
وعن طبيعة العمل في جامع الزيتونة، تؤكد رجب أن المشروع ينطلق من مرحلة الدراسات العلمية الدقيقة قبل أي تدخل ميداني، وتشمل: تشخيصاً تاريخياً ومعمارياً وإنشائياً شاملاً، رفوعات هندسية دقيقة باستخدام تقنيات المسح الليزري ثلاثي الأبعاد، تحليلاً لمواد البناء الأصلية واختبارها مخبرياً، وإعداد نموذج رقمي متكامل للجامع يسهم في إدارة الترميم وتوثيق المعلم للأجيال القادمة.
“الترميم ليس فعلاً استعجالياً، بل عملية فهم عميق للمكان قبل ملامسته” هكذا عبرت المهندسة صاحبة الخبرة الطويلة بصون التراث، و تقول:” الجامع والمدينة… وحدة لا تنفصل، من هنا لم يقتصر المشروع على الجامع نفسه، بل يشمل محيطه العمراني المباشر، بما في ذلك الأنهج والساحات والأسواق التاريخية المحيطة به”.
وتلفت إلى أن “جامع الزيتونة لا يُفصل عن أسواقه وأزقته ، لذلك نعمل على إعادة الاعتبار للنسيج العمراني المحيط، بما يعيد للمدينة العتيقة توازنها الجمالي والوظيفي”.

ترميم بروح معاصرة تحترم الأصالة
تؤكد رجب أن المشروع يعتمد مبدأ أقل تدخل ممكن، مع تحديث مدروس للشبكات التقنية، وأنظمة الإضاءة، والسلامة، والوصول لذوي الإعاقة، دون المساس بروح المعلم.
وتقول : ” هدفنا أن يبقى الجامع جامعاً، وأن يتحول في الوقت نفسه إلى فضاء ثقافي حي، يستقبل المؤمنين والزوار بلغة العصر دون أن يفقد هويته، خاصة أنه كان سابقًا منارة للعلم وأول جامعة متكاملة في العالم تاريخيًا”.

رؤية للمستقبل : التراث مسؤولية مشتركة
في ختام الحوار، تؤكد المهندسة لونا رجب أن ما يجري في جامع الزيتونة هو نموذج لما يمكن أن تحققه الشراكات العربية حين تلتقي الإرادة مع الخبرة.
وتقول : “نحن لا نعمل على مبنى فقط، بل على ذاكرة أمة، و صون التراث المادي في العالم العربي والإسلامي مسؤولية جماعية، تتطلب تبادل الخبرات والإمكانات على امتداد جغرافيتنا المشتركة، وهذا ما يجسده هذا المشروع”.
بتمويل تنموي، ومنهجية علمية، وتعاون عربي دولي، يعود جامع الزيتونة إلى واجهة الاهتمام بوصفه رمزاً دينياً وثقافياً، ومثالاً على أن حماية التراث ليست شأناً محلياً، بل مشروعاً حضارياً مشتركاً.

نبذة مهنية – خبرة ميدانية في صون التراث
المهندسة الاستشارية لونا رجب معمارية سورية متخصصة في ترميم وصون التراث الثقافي، شاركت في إعداد الدراسات وإعادة تأهيل عدد من الأوابد والمباني التاريخية البارزة، من بينها:
إعداد دراسات التوثيق وإعادة تأهيل الجامع الأموي الكبير في دمشق ومحيطه التاريخي، والمشاركة في مشاريع إحياء حي ساروجة التاريخي، إضافة إلى مشاريع ترميم وإحياء قلعة طرابلس في لبنان، وتوثيق وتأهيل سوق حراج في طرابلس، وإعادة تأهيل جامع الظويهرة في الدرعية القديمة بمدينة الرياض في السعودية ، و إعادة تأهيل وترميم جامع فروخ شاه في دمشق و مشروع تحسين البيئة في شوارع دمشق القديمة ، إلى جانب مساهمتها في مشاريع إعادة تأهيل مساجد ومبانٍ تراثية في دمشق وريفها.

وتعاونت رجب خلال مسيرتها الطويلة مع مؤسسات سورية وعربية ودولية، من أبرزها:
المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية، وزارة الثقافة السورية، المكتبة الوطنية، جمعية أصدقاء دمشق، المعهد الوطني للتراث في تونس، إضافة إلى منظمات أممية ودولية مثل اليونسكو، الإسكوا (UN ESCWA)، والمجلس الدولي للمعالم والمواقع (ICOMOS) وشغلت منصب رئيس مجلس إدارة إيكوموس سورية، كما شاركت في برامج ومبادرات دولية تُعنى بحماية التراث وإعادة الإعمار ما بعد النزاعات.
المهندسة الاستشارية لونا رجب التي تشغل حالياً منصب معاون وزير الثقافة في سوريا لشؤون التراث والآثار ، تمتد خبرتها لأكثر من ثلاثة عقود في إعداد الدراسات التراثية الثقافية، والإشراف على مشاريع الترميم، والعمل ضمن فرق متعددة الاختصاصات، بما يكرّس دورها في حماية الذاكرة العمرانية العربية والإسلامية وصونها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews