
ضيف الله الطوالي – مراسلين
تعيش الأزمة اليمنية على وقع تحولات غيرت موازين القوى التي استقرت لسنوات؛ فبينما كانت المدافع تدوّي في جبهات الشرق، وإعلان بعض المحافظات التأييد الغير مشروط للحكومة الشرعية والتخالف العربي كانت الغرف السياسية تصيغ مستقبلاً جديداً لوضع حداً لنفوذ “المجلس الانتقالي الجنوبي”. هذا التصعيد، الذي وُصف بأنه الأوسع منذ توقيع اتفاق الرياض، يضع وحدة القرار داخل معسكر الشرعية أمام اختبار هو الأصعب من نوعه.
قفل الشرق الذي انكسر
لم تكن التحركات العسكرية الأخيرة بدءاً بحضرموت ثم المهرة مجرد مناورات عادية، بل كانت “عملية جراحية” أعادت رسم خارطة السيطرة. وبحسب مصادر رئاسية، فقد حققت قوات “درع الوطن” نجاحاً قياسياً في استعادة المواقع العسكرية والأمنية الحيوية في حضرموت، ثم تلتها محافظة المهرة بالتنسيق الكامل مع قيادة التحالف. هذا التقدم الميداني تبعه اتصال هاتفي لافت من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، “رشاد العليمي”، بمحافظي حضرموت والمهرة، وجّه فيه بفرض سيادة القانون وحماية المنشآت السيادية، مما يشير بوضوح إلى رغبة الدولة في إنهاء حالة “تعدد السلطات” التي ميزت المرحلة الماضية.
الرياض.. منصة “الجنوب الشامل
كُسر احتكار الانتقالي على الأرض، وبدأت الرياض كمركز ثقل بسحب البساط تدريجياً من تحت أقدامه سياسياً، من خلال التحضير لمؤتمر جنوبي شامل، يهدف هذا المؤتمر، الذي تشارك فيه كافة المكونات الجنوبية دون استثناء، إلى كسر ما تصفه دوائر رئاسية بـ “احتكار الانتقالي للقضية الجنوبية”. هذا التحرك الدبلوماسي يسعى لإعادة تعريف تمثيل الجنوب بعيداً عن الصيغة الأحادية، مما يجرّد الانتقالي من أقوى أوراقه السياسية التي طالما ناور بها في المحافل الدولية.
حرب الهوية الوطنية
وفي العاصمة المؤقتة عدن، انتقل التوتر من الجبهات البعيدة إلى بوابات المدينة ومداخلها. فقد أصدر مكتب رئاسة الجمهورية بياناً شديد اللهجة أدان فيه قيام تشكيلات تابعة للانتقالي بتقييد حركة المواطنين القادمين من محافظات أخرى ومنعهم من دخول المدينة. الرئاسة وصفت هذه الإجراءات بأنها “انتهاك صريح للدستور” وتكريس للتمييز المناطقي، محذرة من أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام اختطاف المسافرين وعرقلة حركة المدنيين. هذا الصدام الحقوقي والقانوني يضع “الحزام الأمني” في مواجهة مباشرة مع التزامات اتفاق الرياض حسب قول الرئاسة، ويزيد من عزلة المجلس داخلياً وشعبياً.

سقطرى تحت المجهر الأمريكي
لم يتوقف التصعيد عند حدود البحر، بل وصل صداه إلى جزيرة سقطرى، حيث أصدرت السفارة الأمريكية تحذيراً لافتاً عقب تقارير عن إغلاق وإلغاء رحلات جوية من وإلى الجزيرة. هذا التدخل الأمريكي غير المباشر يعكس قلقاً دولياً من اتساع رقعة الاضطرابات لتشمل المناطق الاستراتيجية البعيدة عن خطوط التماس التقليدية، مما يضع سلامة الملاحة الجوية والمدنيين في مهب الريح.
استنفار أمني
وعلى الصعيد الأمني، أعلنت القوات المسلحة إغلاقاً مؤقتاً للخط الدولي الرابط بين مأرب وحضرموت وصولاً إلى منفذ الوديعة الحدودي مع المملكة العربية السعودية كإجراء احترازي. هذا الاستنفار العسكري يهدف، بحسب مصادر رسمية، إلى منع أي اختلالات أمنية قد تستغل حالة السيولة السياسية الراهنة، وهو ما يشير إلى أن الدولة تتأهب لكافة الاحتمالات، بما في ذلك المواجهة المفتوحة لفرض الأمن.
يجد المجلس الانتقالي نفسه اليوم بين مطرقة الضغط العسكري لـ “درع الوطن” في الشرق، وسندان المؤتمر الجنوبي الشامل في الرياض، في حين تضيق العاصمة عدن بممارساته الأمنية التي باتت تحت مجهر الرصد الدولي والدستوري. فهل يمتثل الانتقالي لدعوات الحوار والتراجع عن “الإجراءات الأحادية”، أم أن اليمن بصدد مشهد جديد تُكتب فصوله بمداد الحسم؟




