العدالة الانتقالية في سوريا.. مسار وطني شامل نحو مستقبل قائم على الكرامة وسيادة القانون

شبكة مراسلين-تقرير خاص
أنس الشيخ أحمد -دير الزور
رؤية وطنية متكاملة
في مرحلة دقيقة من تاريخ سوريا، حيث تتقاطع آلام الماضي مع تطلعات المستقبل، تبرز العدالة الانتقالية كمسار وطني جامع يهدف إلى معالجة إرث الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، وبناء مصالحة حقيقية قائمة على الحقيقة والإنصاف. هذا المسار لا يقتصر على المحاسبة القضائية، بل يتجاوزها ليشمل جبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وحفظ الذاكرة الوطنية، بما يضمن إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ سيادة القانون، ومنع تكرار المآسي.

وفي تصريح خاص لشبكة المراسلين، أوضحت ياسمين مشعان، مستشارة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومستشارة في المؤسسة الدولية للمفقودين، أن العدالة الانتقالية ليست مساراً قضائياً فحسب، بل رؤية وطنية متكاملة تضع حقوق الضحايا والعدالة الشاملة في قلب العملية وتؤسس لمصالحة وطنية حقيقية.
العدالة الانتقالية في السياق السوري
العدالة الانتقالية تساعد المجتمع على التعامل مع آثار النزاع وما خلّفه النظام البائد، وتهدف إلى فهم حقيقة ما جرى وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وهي تشمل المحاسبة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وحفظ الذاكرة الوطنية، ضمن مقاربة تراعي تعقيدات الواقع السوري.
أصوات الضحايا في قلب العملية
الهيئة تعتمد مقاربة محورها حقوق الضحايا، من خلال الاستماع إلى شهاداتهم وإشراك ممثليهم في المشاورات، مع اهتمام خاص بذوي المختفين قسراً. كما تعمل على تحويل تجارب الضحايا وآلامهم إلى سياسات عامة عبر التوثيق المنهجي للشهادات وربطها بإصلاح السياسات والقوانين والمؤسسات.
جبر الضرر والإصلاح المؤسسي
العدالة الانتقالية تشكّل الإطار الوطني الذي يربط بين المحاسبة عن الانتهاكات الجسيمة، وإنصاف الضحايا، وبناء مصالحة وطنية قائمة على الحقيقة والمسؤولية. وتعمل الهيئة على وضع الإطار القانوني لصندوق وطني لجبر الضرر، إلى جانب إجراءات مبكرة تستجيب للاحتياجات العاجلة لبعض فئات الضحايا. كما تعمل ست لجان متخصصة على إعداد خطط عمل مرحلية تشمل تطوير الأطر القانونية وبناء قواعد بيانات أولية وتعزيز التنسيق مع الجهات الوطنية.
قانون العدالة الانتقالية
الهيئة أنهت إعداد المسودة الأولى لقانون العدالة الانتقالية، وهي الآن قيد المراجعة التفصيلية بالتعاون مع خبراء قانونيين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا.
بناء ذاكرة وطنية جامعة
الهيئة تستفيد من التجارب الدولية مثل رواندا، مع التركيز على الإرادة الوطنية ودور حفظ الذاكرة في منع تكرار المآسي. وتسعى إلى توثيق الانتهاكات ودعم مبادرات حفظ الذاكرة وإدماج هذا الإرث في التعليم والإعلام والثقافة العامة، بهدف تحويل الذاكرة إلى عنصر وعي مجتمعي وبناء مستقبلي.

استقلالية وشفافية
الهيئة تلتزم بالاستقلال الوظيفي والإداري، وتعمل وفق معايير الحوكمة الرشيدة والمساءلة، وتعتمد آليات شفافة في اتخاذ القرار ونشر المعلومات بما يعزز ثقة الضحايا والرأي العام بعملها.
التنسيق مع الجهات القضائية
يتم التنسيق مع وزارة العدل والجهات القضائية عبر قنوات مؤسسية رسمية تحترم استقلالية كل جهة، بما يضمن تكامل الأدوار وتعزيز سيادة القانون وتنفيذ عمليات المساءلة ضمن أطر قانونية سليمة.
دور المجتمع المدني وروابط الضحايا
منظمات المجتمع المدني وروابط الضحايا تلعب دوراً محورياً في دعم مسار العدالة الانتقالية، من خلال تمثيل الضحايا ونقل أصواتهم والمساهمة في التوثيق والمحاسبة. وتبني الهيئة شراكات قائمة على التكامل وتبادل الخبرات.
مكاتب في المحافظات والتواصل مع الخارج
الهيئة تعمل على خطة مرحلية لفتح مكاتب في المحافظات لتسهيل الوصول إلى الضحايا وتعزيز التواصل مع المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير آليات تواصل مع السوريين في الخارج لضمان شمولية المسار وتعزيز المشاركة المجتمعية.
رؤية مستقبلية لسوريا
وختمت ياسمين مشعان تصريحها بالتأكيد على أن رؤية الهيئة تتمثل في سوريا قائمة على الكرامة الإنسانية وسيادة القانون واحترام الحقوق، حيث يشكّل مسار العدالة الانتقالية ركيزة لبناء سلام مستدام ومجتمع متماسك قادر على تجاوز آلام الماضي دون إنكارها أو تكرارها.




