حظر الهواتف المحمولة في الثانويات الفرنسية: بين حماية التلاميذ وإشكالات التطبيق

سارة جودي- مراسلين
أعاد مشروع القانون الذي تعمل عليه الحكومة الفرنسية، والقاضي بحظر استعمال الهواتف المحمولة في الثانويات ابتداءً من الدخول المدرسي 2026، النقاش بقوة حول موقع التكنولوجيا الرقمية داخل المدرسة ودورها في حياة المراهقين. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع مقترح يقضي بمنع الولوج إلى شبكات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 سنة، وقد قُدّم رسميا بوصفه إجراء وقائيا لحماية القصر من المخاطر الرقمية، غير أنه أثار في الوقت ذاته جدلا واسعا في الصحافة الفرنسية بشأن جدواه العملية وإمكانات تطبيقه ميدانيا

وتنطلق الحكومة الفرنسية من فرضية مفادها أن التعرض المكثف للشاشات، ولا سيما عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بات يشكل خطرا ملموسا على الصحة النفسية والمعرفية للمراهقين. إذ تستحضر في هذا السياق آثار مثل اضطرابات النوم، وأشكال الإدمان الرقمي، والتنمّر الإلكتروني، فضلا عن تراجع التركيز والانتباه داخل الفضاء المدرسي.
وفي هذا الإطار، أوضحت صحيفة لوموند أن مشروع القانون يندرج ضمن سياسة أوسع ترمي إلى «حماية القُصّر في الفضاء الرقمي»، مستندة إلى تقارير صحية وتربوية متراكمة، وإلى إرادة سياسية معلنة لتسريع الإصلاح.
غير أن لوموند نفسها تلفت الانتباه إلى أن نقل الحظر من الإعدادي إلى الثانوي لا يمثل مجرد امتداد إداري تلقائي، فالثانوية تعد فضاء مختلفا من حيث التنظيم والسلوكيات، إذ يتمتع تلاميذها بقدر أكبر من الاستقلالية، كما أن بعضهم يبلغ سن الرشد القانوني، ما يجعل فرض حظر شامل إجراء أكثر تعقيدا من الناحية التنظيمية والتطبيقية داخل المؤسسات التعليمية.
وتبرز هذه الصعوبة بوضوح في مواقف الفاعلين التربويين، كما نقلت فرانس أنفو France Info، حيث عبّرت نقابات تعليمية عن تخوفها من أن يتحول الحظر إلى عبء إضافي على المؤسسات، خاصة في ثانويات تضم أعدادا كبيرة من التلاميذ، وتسمح بحرية التنقل داخلها وخارجها. كما أشارت إلى أن الهاتف لم يعد مجرد أداة ترفيه، بل يستخدم أحيانا في أنشطة تعليمية، ما يفرض تساؤلات حول التمييز بين الاستعمال البيداغوجي والاستعمال الشخصي.
الصحافة الفرنسية لم تتناول الموضوع من زاوية واحدة. فقد ركزت لوفيغارو Le Figaro على البعد الانضباطي، معتبرة أن المدرسة يجب أن تبقى فضاء محمي من التشتيت الرقمي، وأن حظر الهواتف قد يسهم في إعادة الاعتبار للتركيز داخل الفصل الدراسي. بينما تبنت Libération قراءة نقدية، رأت فيها أن اللجوء إلى المنع التشريعي يخفي عجز بناء سياسة شاملة للتربية الرقمية، ويحمل المراهقين مسؤولية اختلالات منظومة رقمية تقودها منصات عالمية وخوارزميات جاذبة للإدمان.
وتزداد حدة هذا الجدل عند العودة إلى دراسات علمية أوروبية حديثة، تؤكد أن حظر الهاتف داخل المدرسة لا يؤدي بالضرورة إلى تحسن ملموس في الصحة النفسية أو النتائج الدراسية. فالاستخدام المكثف ينتقل ببساطة إلى خارج أسوار المدرسة، ما يحد من الأثر الإيجابي المتوقع للحظر إذا لم يرافق بسياسة أوسع تشمل الأسرة والفضاء الرقمي العام.
في ضوء ذلك، يتضح أن النقاش الدائر في فرنسا يتجاوز مسألة الهاتف كجهاز تقني، ليطرح سؤالا أعمق حول دور المدرسة في زمن التحول الرقمي. فبين منطق الحماية ومنطق الحرية، وبين الحل التشريعي السريع والحاجة إلى عمل تربوي طويل المدى، يبقى المنع مهما كان مبررا، غير كاف بوصفه حلا وحيدا. بل يجب أن يندرج ضمن رؤية شاملة للتربية الرقمية، تشرك التلاميذ والأسر والمؤسسات، وتحمّل المنصات الرقمية نصيبها من المسؤولية. حيث يعكس مشروع حظر الهواتف في الثانويات الفرنسية مفارقة بين الرغبة في حماية الأجيال الصاعدة من أخطار رقمية حقيقية، وبين محدودية الأدوات التشريعية في مواجهة تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، ما يجعل الرهان الحقيقي ليس فقط في المنع، بل في بناء وعي رقمي نقدي ومستدام.



