اليمنتقارير و تحقيقات

عدن : اضطراب اقتصادي مع تصاعد التوترات الأمنية وارتفاع الأسعار

منال أمين- خاص مراسلين

في ظل حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي التي شهدتها اليمن خلال الأسابيع الماضية، ولا سيما منذ مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، دخل الوضع الاقتصادي مرحلة جديدة من الاضطراب، انعكست بشكل مباشر على الأسواق المحلية ومستويات الأسعار.

وتشهد الأسواق في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن وعدد من المحافظات اليمنية الأخرى حالة من الفوضى السعرية، وسط شكاوى متزايدة من المواطنين جراء الارتفاع المتسارع في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، بما في ذلك الخضروات والفواكه، في ظل غياب واضح للإجراءات الرقابية الفاعلة القادرة على ضبط الأسواق والحد من المضاربات.

تدهور في الأسعار

تقول أم هشام وليد، ربة منزل من مديرية خورمكسر بعدن، إن الأسعار شهدت ارتفاعًا مفاجئًا “بين ليلة وضحاها”، دون أي مبررات واضحة، موضحة أن بعض السلع الغذائية والخضروات ارتفعت بنسب تراوحت بين 15 و20 في المائة خلال أقل من أسبوع، فيما سجلت أسعار الفواكه قفزات أكبر مقارنة بالفترة السابقة.

وأشارت إلى أن سعر الكيلو الواحد من البطاطس تجاوز 1200 ريال يمني، بعد أن كان في حدود 800 ريال فقط قبل أيام، فيما بلغ سعر كيلو الفلفل الحار (البسباس) والخيار أكثر من 5000 ريال، إضافة إلى ارتفاع أسعار الجزر والبامية ، وعدد من أصناف الفواكه التي زادت قيمتها بزيادة تتراوح ما بين 500 و1000 ريال عن قيمتها الاصلية لكل صنف.

وترى أم هشام أن هذه الارتفاعات المتتالية تأتي في توقيت بالغ الحساسية، مع بدء الفصل الدراسي الثاني وما يتطلبه من نفقات إضافية، فضلًا عن اقتراب شهر رمضان المبارك، محذرة من أن استمرار هذا الوضع سيُفاقم الأعباء المعيشية على الأسر، خصوصًا في ظل تأخر صرف الرواتب لأشهر تصل أحيانًا إلى ثلاثة أو أربعة، ما يضطر الكثير من العائلات إلى تقليص استهلاكها والاكتفاء بالحد الأدنى من الاحتياجات.

هذا التدهور المعيشي انعكس في موجة واسعة من السخط الشعبي خلال الأسابيع الماضية، حيث باتت شرائح واسعة من السكان تواجه صعوبة حقيقية في تأمين احتياجاتها الأساسية، وسط مطالبات متكررة للجهات المختصة بتكثيف الرقابة وضبط الأسعار.

غياب ضوابط ثابتة

من جهته، يوضح عبدالرحمن محمد، عامل في إحدى البقالات بمديرية خور مكسر في العاصمة المؤقتة عدن “لشبكة مراسلين”، أن أسعار الجملة تشهد تغيرات متسارعة ومستمرة، في ظل غياب أي معايير واضحة أو ضوابط ثابتة للسوق خاصة في فترة الاضطرابات.

وأضاف إلى أن بعض موردي الجملة يعمدون إلى رفع أسعار المواد الغذائية بشكل متكرر، ما يضع صغار الباعة في مواجهة مباشرة مع غضب المستهلكين، الذين غالبًا ما يحملون أصحاب المحلات مسؤولية الغلاء وهذا غير صحيح.. مؤكداً أن حالة عدم الاستقرار السائدة تدفع التجار إلى رفع أسعار الكراتين تحسبًا للمخاطر، الأمر الذي لا ينعكس فقط على المستهلك، بل يتسبب بخسائر إضافية لصغار الباعة الذين يجدون أنفسهم الحلقة الأضعف في سلسلة التوريد.

ويأتي هذا التصريح مع ما أكده في وقت سابق المستشار الاقتصادي في رئاسة الجمهورية، فارس النجار، في تصريح “لشبكة مراسلين”، حيث أشار إلى أن محاولات التصعيد السياسي والأمني من قبل بعض الأطراف بدأت تُلقي بظلالها الثقيلة على الواقع الاقتصادي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات.

 ولفت إلى أن أسعار بعض المواد ارتفعت بما يتراوح بين 5 و10 ريالات سعودية للكرتون الواحد، أي ما يعادل نحو 2,125 إلى 4,250 ريالًا يمنيًا، موضحًا أن هذه الزيادات تعود إلى ما يُعرف بـ«هامش المخاطر»، إذ يلجأ التجار إلى إضافة كلفة احترازية على أسعار المنتجات تحسبًا لأي اضطرابات سياسية أو متغيرات اقتصادية محتملة، في مشهد يعكس حجم القلق وعدم اليقين الذي يهيمن على الأسواق، ويعمق من معاناة المواطن اليومية.

تجار الجملة

وفي السياق ذاته، أرجع أحد تجار الجملة، فضل عدم ذكر اسمه، أسباب ارتفاع الأسعار إلى زيادات يفرضها بعض الموردين، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه عمليات التوزيع بين المحافظات خاصة مع عدم الاستقرار التي تعيشه اليمن شمالاً وجنوباً، والتي تشمل ارتفاع تكاليف النقل والوزن والجبايات، و أن عددًا من تجار الجملة يحاولون عدم تحميل هذه الأعباء على المستهلك، رغم الضغوط المتزايدة التي تواجه القطاع التجاري.

في المقابل هناك نموذج إيجابي من تجار الجملة، حيث أكد مدير محل “بن مقبل للتجارة” في منطقة السيلة بمديرية الشيخ عثمان بعدن، التزامه الكامل بالأسعار الرسمية الصادرة عن وزارة الصناعة والتجارة، دون أي زيادات، مراعاة للظروف الصعبة التي يمر بها المواطنون جراء الأوضاع السياسية والاقتصادية المعقدة في البلاد.

سالم الوالي/ نائب وزير الصناعة والتجارة اليمني

دور الجهات الرسمية

وعلى صعيد تحرك الجهات الرسمية، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ومقرها العاصمة المؤقتة عدن، تدشين الحملة الرقابية الوطنية اعتبارًا من الأول من يناير/كانون الثاني 2026، بهدف تعزيز الدور الرقابي للدولة وضمان الانضباط التجاري وتوفير السلع الغذائية والاستهلاكية بأسعار عادلة ووفق الأطر القانونية.

وأوضح نائب وزير الصناعة والتجارة سالم الوالي، في تصريح لشبكة “مراسلين”، أن الحملة تستهدف ضبط أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان المبارك، مؤكدًا أن هذه المرحلة الاستثنائية تتطلب تعاونًا مسؤولًا من مختلف الأطراف، وفي مقدمتها القطاع الخاص والمواطنين أيضاً.

وأضاف أن أهمية الحملة تكمن في الإسهام بتوفير السلع الأساسية بأسعار تتناسب مع دخل وقدرة المستهلك، بما يخفف من حدة الضغوط المعيشية على المواطنين.

الأثر المطلوب

وبالتوازي مع ذلك، باشرت قيادات مكاتب الصناعة والتجارة والسلطات المحلية في مديريات عدن تنفيذ نزولات ميدانية على عدد من المحلات التجارية وتجار الجملة، للتأكد من الالتزام بالأسعار المحددة وضبط أي تلاعب محتمل، غير أن هذه الجهود، بحسب مواطنين، لم تُحدث الأثر المطلوب على أرض الواقع، إذ لا تزال العديد من المحلات وباعة الخضروات يواصلون البيع بأسعار مرتفعة، في ظل ضعف الردع واستمرار حالة الفوضى السعرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews