
ريتا الأبيض – مراسلين
تحليل رأي
عند تفكيك العلاقة القائمة بين دمشق وتل أبيب، يصبح من الصعب الاستمرار في توصيفها بلغة “اللاحرب واللاسلم” التقليدية. ما يجري على الأرض، وفي الكواليس، يتجاوز بكثير مفهوم الإشتباك غير المباشر، ويتقدّم بإتجاه نمط من التطبيع الوظيفي غير المُعلن، حيث تُدار المصالح الأمنية بعيداً عن الخطاب السياسي العلني، ومن دون الحاجة إلى إتفاقات أو بيانات.
هذا التوصيف لا يستند إلى إعلان رسمي، ولا إلى صور مصافحة، بل إلى سلوك متكرر: حدود منضبطة، قواعد إشتباك معروفة، ضربات محسوبة، ورسائل متبادلة تُقرأ وتُفهم من الطرفين. في السياسة، تغيّر السلوك يسبق تغيّر اللغة، وغالبًا ما يحلّ محلّه.
من الجانب الإسرائيلي، لا تُخفي تل أبيب أن أولويتها المطلقة هي الأمن. أي علاقة مع دمشق لا تُقاس بمفاهيم سياسية أو تاريخية، بل بمدى قدرتها على منع تشكّل تهديد عبر الحدود. في هذا السياق، ترى إسرائيل أن الصيغة الحالية تخدمها: لا التزامات مكتوبة، لا أثمان سياسية، وحرية حركة عسكرية محفوظة.
تحليلات نشرتها هآرتس تتعامل مع الجنوب السوري كمساحة تُدار لا كجبهة تُسوّى. المقاربة الإسرائيلية لا تسعى إلى تسوية مع دمشق، لكنها في الوقت نفسه لا ترى ضرورة لتغيير واقع يلبّي الحد الأدنى من متطلباتها. هذا موقف براغماتي، لكنه أيضًا موقف انتقائي، يرفض الإتفاق لأنه يقيّد، ويقبل التنسيق لأنه يسهّل.
في المقابل، تتعامل القيادة السورية مع هذا الواقع ببرودة مماثلة، لكن من زاوية مختلفة. الخطاب الرسمي يركّز على السيادة ورفض أي مسار يُفهم كتنازل، فيما تُدار الوقائع الميدانية بطريقة تمنع الإنفجار وتُبقي الحدود تحت السيطرة. هنا، لا نتحدث عن مشروع سلام ولا عن مقاومة مفتوحة، بل عن إدارة ملف حساس بأقل قدر من الكلفة.
صحيفة الوطن ووكالة سانا تتحدثان عن “ضبط”، “إستقرار” و“إدارة ميدانية”، من دون الدخول في تفاصيل الآليات أو حدود هذا الضبط. هذا الغموض المقصود يسمح لدمشق بإنكار أي توصيف سياسي للعلاقة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب لإتهامات داخلية بالتفريط أو بالمقايضة الصامتة.
هنا تحديداً يظهر جوهر النقد. فالتطبيع لا يصبح أقل تطبيعاً لأنه غير مُعلن، ولا يفقد مضمونه لأنه يُدار أمنياً لا سياسياً. عندما تُدار العلاقة مع خصم تاريخي بمنطق المصالح المتبادلة وضبط المخاطر، ومن دون إشتباك أو تصعيد، فهذا تحوّل وظيفي في طبيعة العلاقة، مهما إختلفت التسميات.
إسرائيل، من جهتها، تستفيد من هذا الواقع إلى الحد الأقصى، من دون أن تقدّم أي مقابل سياسي. لا اعتراف، لا تنازل، لا إلتزام طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، لا تتحمّل كلفة إعلان التطبيع أو الدفاع عنه أمام جمهورها. هذه معادلة مريحة لتل أبيب، لكنها تُبقي المنطقة رهينة قرار أحادي الجانب، وتُبقي إحتمالات التصعيد قائمة عند أي تغيير في الحسابات.
أما دمشق، فتدير الملف من موقع أضعف، محكومة بتوازنات إقليمية وضغوط متعددة، وتحاول تثبيت الحد الأدنى من الإستقرار من دون الدخول في مسارات مكلفة سياسياً. غير أن هذا الخيار، وإن كان مفهوماً من زاوية إدارة الأزمة، يظلّ خياراً دفاعياً أكثر منه رؤية متكاملة، ويترك فراغاً سياسياً يُملأ بالروايات والإتهامات.
اللافت أن الطرفين يتفاديان تسمية ما يجري بإسمه. إسرائيل تفضّل وصفه كـ“ترتيبات أمنية”، ودمشق تتجنّب أي توصيف قد يُقرأ داخلياً أو عربياً كتطبيع. لكن السياسة لا تُقاس بالمفردات، بل بالنتائج. والنتيجة هنا هي علاقة مستقرة نسبياً، تُدار بلا صدام، وتخدم مصالح محددة للطرفين.
هذا لا يعني وجود سلام، ولا يعني انتهاء الصراع، لكنه يعني بوضوح أن منطق العداء المطلق لم يعد هو الحاكم. كما لا يعني أن أحد الطرفين “رابح أخلاقياً”. إسرائيل تدير العلاقة بمنطق القوة والإنتقاء، وسوريا تديرها بمنطق الإحتواء وتفادي الأسوأ. كلاهما يختار ما يناسبه، وكلاهما يتجاهل كلفة هذا الخيار على المدى البعيد.
في النهاية، ما يجري بين دمشق وتل أبيب يمكن تسميته بما هو عليه: تطبيع غير مُعلن، وظيفي، أمني الطابع. ليس إنجازاً سياسياً، ولا خيانة مُعلنة، بل مسار صامت تُدار فيه المصالح بعيداً عن الشعارات. تجاهل هذا التوصيف لا يلغيه، بل يؤكد أن كلفته السياسية ما زالت أعلى من الاعتراف به.



