تقارير و تحقيقات

السودان:حرمان من أبسط الحقوق فى الغذاء والتعليم والصحة

مشاهد من حياة القرى بولاية نهر النيل شمال السودان

أروى بابكر-خاص مراسلين

السودان- أحدثت الحرب تغييراً إيجابياً في البنى التحتية للقرى، ولكن أدى ذلك إلى ارتفاع مواز في أسعار السلع الغذائية والعلاجية والتعليمية، وخصوصًا التعليم الجامعي.
يتميّز الريف في السودان بنمط حياة هادئ وبسيط، ونمط تقليدي متشابه إلى درجة بعيدة. كانت الحياة في الريف قبل الحرب، في معظم قرى ولاية نهر النيل الواقعة في شمال السودان، حالها كحال معظم قرى السودان المهمَّشة، إذ إن الحياة في السودان قبل الحرب كانت تتمركز في العاصمة.

ونأخذ على سبيل المثال قرية تقع على خط نهر النيل تُسمّى (العبيدية)، وتعتمد على عدة مصادر للدخل، أولها الزراعة، حيث يعتمد أغلب السكان على الزراعة كمصدر أساسي لبعض الأسر، مع الأخذ في الاعتبار أن الزراعة في هذه المناطق ليست من اختصاص الشباب، بل يمتهنها من تجاوز عمره (45–50) عامًا. فالشباب هنا يعتمدون على ما يسمّونه بـ«السدور»، أي البحث عن الذهب بالطرق البدائية في صحراء شمال السودان وصولًا إلى الحدود المصرية. وتتميّز هذه الولاية بتوفّر معدن الذهب، ويعتمد الشباب على هذه المهنة كمصدر دخل أساسي منذ زمن بعيد، يحملون أحلامهم بين كفّيهم، ويضربون بها الصخور، ويحفرون عشرات الأمتار بحثًا عن الذهب.

بعد الحرب : توقف عمل أغلب المزارعين

يقوم المزارع على سبيل المثال بزراعة محصول (البامية ) وهو من المحاصيل الشتوية التى تزرع فى نهاية الصيف وتحصد فى الشتاء, يأخذ كمية ليست قليلة من هذا المحصول لأسرته وخصوصا أن البامية من المحاصيل التى تجفف ويترك بقية أقاربه يأخذون ما يكفيهم للتخزين ويقوم ببيع جزء منها والمتبقي يجففه ويباع فى موسم آخر يكون فيه هذا المحصول غير متوفر وهذا ينطبق على معظم المحاصيل التى تزرع فى هذه المناطق مثل البصل الثوم البطاطس الفول المصري الطماطم وغيرها, أما بعد الحرب وبسبب ارتفاع السعار التقاوي , أغلب المزارعين توقف بعضهم , ومن قام بالزراعة فى المواسم السابقة قام برفع أسعار المحاصيل إلى أضعاف ما كانت عليه .

نازحة كادت أن تموت: لا توجد أبسط الإسعافات فى القرى

أُصيبت المواطنة أسماء بابكر، التي نزحت من الخرطوم بسبب الحرب إلى هذه الولاية، وبعد فترة قصيرة أُصيبت أسماء بألمٍ في معدتها، فلم تستطع الوقوف على قدميها، حيث نقلها أفراد أسرتها بسرعة إلى مستشفى يُعدّ أكبر وحدة علاجية في القرية. وبعد أكثر من نصف ساعة كتب لهم الطبيب ورقةً تحمل اسم مستشفى في مدينة عطبرة، التي تُعدّ حاضرة الولاية، مع العلم أنها تبعد عن القرية التي تقطن فيها النازحة قرابة ثلاث ساعات بالسيارة. وطوال هذه المدة كانت أسماء تتأوّه من الألم إلى أن تم إسعافها في مدينة عطبرة.

ويدلّ ذلك على عدم وجود أبسط الإسعافات اللازمة لإنقاذ إنسان في هذه القرية. وذكرت أسماء أن معها كثيرًا من الحالات الطارئة الذين تم تحويلهم إلى ذلك المستشفى البعيد. وإلى وقت كتابة هذا التقرير لا يزال هذا المستشفى يقوم بتحويل المرضى إلى مدينة عطبرة، نسبةً إلى عدم توفّر العدد الكافي من الأطباء والمسعفين.

أهالي المنطقة :أثر الغلاء على التعليم والعلاج والغذاء

تجوّلت شبكة «مراسلين» بين بعض أُسر قرية (العبيدية) شمال بربر، وأثناء التجوال قالت المواطنة نفيسة فتح الرحمن إن الحرب، بلا شك، قد أحدثت تأثيرًا على جميع أنحاء السودان، وشكلت ضائقة اقتصادية في أغلب المنازل في الشمال، لأن أفراد أسرتها يعتمدون على الزراعة، واثنين من أبنائها يعتمدون على البحث عن الذهب.

وأضافت أن زوجها توقّف عن الزراعة بسبب غلاء التقاوي والجازولين لتحريك الوابورات لضخ المياه، وبسبب ارتفاع سعر البنزين توقّف أبناؤها عن الذهاب إلى الخلاء لفترة طويلة.

طالبة حرمت من الجامعة : والدي مزارع ولا يستطيع دفع التكاليف

أحرزتُ نسبة (65%)، وقال والدي قبل الحرب إنه سيدخلني الجامعة في الخرطوم، ولكن بعد اندلاع الحرب أصبح لا مجال للذهاب إلى الخرطوم. وأدّى ذلك إلى ارتفاع رسوم الجامعات الخاصة هنا في الولاية، مثل جامعة (الشيخ بابكر بدري)، إلى درجةٍ لا يستطيع معها والدي تحمّل هذه التكاليف، خصوصًا أنه مزارع.

خبير اقتصادي: حتى يتم وقف النزوح العكسي يجب أحداث تنمية متوازية

قال الدكتور محمد الناير، الخبير الاقتصادي، إن الريف تضرّر من الحرب، خاصة في المناطق الزراعية مثل مشروع الجزيرة وغيره من المشاريع الزراعية في الولايات الأخرى، إذ حدث أثر سلبي على المناطق الريفية بصورة كبيرة. ولكن الريف يتعافى أسرع من المدن، لأن المزارع يمكنه زراعة كثير من احتياجاته المنزلية من الخضروات بالطرق التقليدية.

وأشار إلى أن الريف شهد تغييراً كبيراً باستقباله عدداً كبيراً من الأسر النازحة من الخرطوم والمدن المتأثرة بالحرب. وقال الناير إن على الدولة الاهتمام بالتنمية الريفية والتركيز على الخدمات الضرورية في الريف وتوفير المستلزمات، حتى لا يحدث نزوح من الريف إلى المدن في المستقبل كما كان في السابق.

وأضاف أنه يجب إحداث تنمية متوازنة لتحقيق الاستقرار، بحيث يستقر من هو في الريف في ريفه، ويستقر من هو في المدينة في مدينته، مما يساعد على تحقيق توازن الكثافة السكانية في جميع أنحاء السودان.

Nashwa Ahmed

صحفيةٌ سودانيةٌ متخصِّصةٌ في التحقيقات الصحفية، والتقارير، وتغطية ومعالجة القضايا الاجتماعية والتنموية، والقصص الصحفية بطرحٍ مهنيٍّ معمَّق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews