المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة وتناقضات المجتمع الدولي
كتائب عزالدين المصري – مراسلين
قطاع غزة – في ظل الآمال الغزية بتحسن الوضع المعيشي والإنساني بعد دخول المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 حيز التنفيذ، إلا أن المعيقات الإسرائيلية لا زالت تتصدر المشهد. بعد مرور ساعات قليلة من إعلان ويتكوف دخول المرحلة الثانية في 14 يناير 2026، لا زال الجيش الإسرائيلي يمارس خروقاته المتكررة لهذه المرحلة بشكل واضح وصريح، ضاربًا بعرض الحائط كافة المعايير الإنسانية والقوانين الدولية والمعاهدات والاتفاقيات. أعلنت وزارة الصحة مباشرة في اليوم التالي، 15 يناير، عن سقوط العديد من الإصابات والشهداء نتيجة استهداف مباشر لمنزل يعود لعائلة الحولي في دير البلح، وفناء منزل لعائلة الجرو، مما أدى إلى استشهاد ثمانية أشخاص، بالإضافة إلى ثمانية إصابات صنفت بين المتوسطة والخطيرة، وفق تقارير وزارة الصحة.

في 16 يناير استمرت الهجمات الإسرائيلية والقصف، ما أكد أن وقف إطلاق النار لم يحقق هدنة فعلية. اشتدت الاشتباكات في مناطق متفرقة من القطاع، ما أدى إلى العديد من الإصابات الطائشة. أعلنت وزارة الصحة منذ صباح اليوم عن عدة استهدافات، أولها ثلاثة شهداء في قصف جوي على منطقة مخيم النصيرات وشمال غزة ارتقى إثرها المواطن أشرف الخطيب وزوجته، بالإضافة إلى عدد من الإصابات إثر استهداف حاجز شرطة قرب مفترق النابلسي، وسبعة شهداء آخرين في استهداف منطقة دير البلح، وغرب مدينة خانيونس استشهاد سيدة أُصيبت بطلق ناري من رشاش الجيش الإسرائيلي أدى إلى ارتقائها على الفور.

حتى الآن، يظل إدخال المساعدات الإنسانية وإدارة الشؤون المدنية مؤقتًا عبر لجنة وطنية فلسطينية، بانتظار تنفيذ الشروط الإسرائيلية، التي تنص على
أولاً : نزع سلاح حركة حماس بالكامل في غزة، إذ تعتبر إسرائيل أن سلاح المقاومة جزء نهائي من الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وهو ما يعتبره نتنياهو شرطًا لا غنى عنه قبل تنفيذ البنود المتقدمة من المرحلة الثانية.
ثانيًا: رفض الانسحاب الكامل حتى يتحقق شرط نزع السلاح، في تناقض عجيب يتغاضى عنه المجتمع الدولي ككل. إسرائيل لا زالت تعمل على توسيع المنطقة الصفراء، واستنكرت العديد من الجهات الحقوقية، من ضمنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قيام إسرائيل بتوسيع نطاق ما يسمى “المنطقة الصفراء” عبر الإزاحة المستمرة وشبه اليومية لتلك العلامات الصفراء الوهمية تدريجيًا نحو الغرب والجنوب، مع استمرار الجيش في قضم مساحات جديدة من أراضي القطاع، متعديًا على أراضي المواطنين وما تبقى من منازلهم، بما في ذلك أجزاء جديدة من شرق مخيم جباليا وشرق خانيونس وشرق دير البلح، مما يزيد من سيطرة عسكرية أوسع داخل القطاع.
ثالثًا: إعادة جثمان آخر محتجز إسرائيلي وفق ما صرحت القناة 12 العبرية: “تم اتخاذ قرار في الكابينت بعدم فتح معبر رفح إلى حين إعادة جثة ران غويلي”.
رابعًا: تنفيذ العديد من الالتزامات من الجانب الفلسطيني، حيث شددت إسرائيل على ضرورة التزام حركة حماس وبقية الفصائل الفلسطينية بتنفيذ كافة الشروط الإسرائيلية بغض النظر عن الصعوبات التي قد تواجههم، مع وقف الأعمال العسكرية بكل أشكالها، وإنشاء الإدارة الفلسطينية الجديدة قبل تنفيذ أجزاء كبيرة من مجريات المرحلة الثانية.
خامسًا: تنسيق عسكري وأمني مع المجتمع الدولي لزيادة الضغط على الجانب الفلسطيني أثناء التنسيق لآليات التفتيش ونزع السلاح والتحقق من قبل الأطراف الدولية من المشاركة في تنفيذ كافة بنود المرحلة الثانية.
وبالرغم من كل المعيقات التي تضعها إسرائيل في وجه إتمام المرحلة الثانية، لا زالت الفصائل الفلسطينية بكافة ألوانها تبدي استعدادها للمضي قدمًا نحو تحقيق السلام والاستقرار في القطاع. أعلنت حركة حماس اليوم عن وصول وفد قيادي الحركة إلى القاهرة برئاسة خليل الحية، لبحث استكمال تفاصيل تنفيذ هذه المرحلة مع الوسيط المصري وكافة الأطراف الدولية المعنية. توصلت اللجنة التكنوقراطية لإدارة القطاع أيضًا إلى توافق فلسطيني مبدئي على أعضاء اللجنة، لكن التنفيذ العملي للشروط المعلقة لا يزال محور النقاش والاختبار في الاجتماعات الجارية بالقاهرة.

استمرار التحديات الميدانية والسياسية يُشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف على تحويل الإتفاق السياسي إلى واقع يوازي تطلعات الشعب الغزي الذي قدم كثيرًا من التضحيات في سبيل الثبات على هذه الأرض. ولا زال المجتمع الدولي يتغاضى عن تناقضات التعهدات الأمريكية والتجاوزات الإسرائيلية في ظل مرونة الأطراف الفلسطينية الملتزمة بتطبيق وقف إطلاق النار بشكل فعلي على أرض الواقع، بينما تظل العقبات الإسرائيلية والممارسات الميدانية تهديدًا لاستمرار أي تقدم في هذه المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.



