العرب : القيم باقية ، لكن البوصلة مفقودة

مولود سعدالله – مراسلين
قبل الإسلام كان العرب قبائل متناحرة، تحكمهم العصبية ويشدهم منطق الدم والثأر ولم تكن لديهم نزعة حقيقية لبناء حضارة مستقرة أو الانخراط في مشروع علمي منظم كما فعلت الحضارات المجاورة لهم كالبزنطيين والفرس والإغريق، ورغم ذلك ظهرت محاولات فردية لبعض القادة العرب الذين تأثروا بما حولهم وأرادوا كسر هذا النمط، مثل وائل بن ربيعة المعروف بكليب لكننا نعرف كيف انتهت قصته حين اصطدم بحقيقة المجتمع القبلي الذي لا يرحم من يحاول تجاوزه .
ومع هذا عرف العرب بالكرم والحمية والنخوة والفروسية والبلاغة والشعر، غير أن هذه الصفات نفسها كانت تستغل بصفة غير صحيحة ، فاختلطت بالثأر واللهو والنزعة القبلية العمياء فجاء الإسلام ليهذب هذه القيم ويضعها في إطارها فانتزع منها الجاهلية وربطها بالعدل والحدود ، قال النبي ﷺ “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام”، فجعل المؤمنين إخوة ونزع العصبية القبلية وحول الانتماء من الدم إلى العقيدة، وأرسى مبدأ لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، فانتشر الإسلام بسرعة مذهلة، لا لأنه فرض نفسه بالقوة فقط بل لأنه قدم فكرة جامعة نقلت العرب من قبائل متفرقة إلى أمة تحمل رسالة، فصاروا أصحاب دين وحضارة وفكر، لا مجرد جماعات تقاتل من أجل الغنيمة.

لكن بعد وفاة الرسول ﷺ ورغم قوله “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي”، بدأت النزعة الجاهلية تعود بين حين وآخر، ليس لأن الرسالة ضعفت بل لأن القائد الذي كان يمسك بالخيط الجامع رحل فحافظ الخلفاء الراشدون على جوهر المشروع وواصلوا نشر الإسلام، غير أن الإيمان مع مرور السنين بدأ يخبو، وتقدمت السياسة والمصالح والصراعات حتى عدنا اليوم لنرى العرب في الحالة نفسها تقريبا نفس الحمية ونفس الفرقة، وهو ما جعل الأمم تتكالب عليهم ، فأصحاب الدين الواحد واللغة الواحدة والتاريخ الواحد والأرض المشتركة لا يجتمعون إلا ليختلفوا، سواء في السياسة أو حتى في الرياضة، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد خلافات عابرة.

البعض يرى أن المسؤولية تقع على عاتق الساسة والبعض الآخر يراهن على الإعلام باعتباره وسيلة قادرة على توحيد الشعوب، لكننا نعرف أن الساسة تحكمهم المصالح والقيود ونعرف أيضا أن الإعلام في النهاية أداة والوحدة لا تصنع بلغة خشبية ولا بكلمات رنانة عن الأمة الواحدة بل بقناعة راسخة أن المصير مصير مشترك ولا ضير في النزاع ولا في الاختلاف ولا حتى في التراشق، فأصحاب العائلة الواحدة يختلفون، لكن الأساس أن تبقى وحدة الدم والمصير قائمة، وأن لا يسقط اخوك ما دامت حيا، وهنا يبرز دور القائد بوصفه العامل الحاسم القائد الذي يجمع ولا يفرق ويضبط الخلاف بدل أن يؤججه، لكن : متى يظهر هذا القائد ؟ وهل ننتظره أم نصنع الشروط التي تسمح بظهوره؟




