سوريا في الصحافة الفرنسية بين خطاب النقد ومنطق الواقع
سارة جودي – مراسلين
باريس – شهدت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة تطورات ميدانية أعادت طرح النقاش حول طبيعة النزاع القائم، عقب اندلاع مواجهات عسكرية بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (Syrian Democratic Forces – SDF) المعروفة اختصارا باسم قسد، في مناطق شمال وشرق البلاد. وتمكنت القوات الحكومية خلال أيام من استعادة السيطرة على مساحات واسعة في محافظات الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف حلب، ما أسفر عن انسحاب مقاتلي قسد من عدد من المواقع.
وفي 18 يناير، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تضمن بنودا نصت على دمج عناصر قسد ضمن الجيش والأجهزة الأمنية السورية، وتسليم المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى سلطة الدولة.
وحظيت هذه التطورات بتغطية واسعة في الصحافة الفرنسية، التي تناولتها من زوايا متعددة، شملت التركيز على استعادة الدولة السورية نفوذها على مناطق كانت خارج سيطرتها، ومتابعة مستقبل القوات الكردية، إضافة إلى تحليل أدوار الفاعلين الدوليين، ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
وتناولت صحف فرنسية كبرى، من بينها لوموند (Le Monde) ولوفيغارو (Le Figaro) وليبيراسيون (Libération)، هذه الأحداث ضمن معالجات مختلفة، عكست تباينا في الخطوط التحريرية وفي مقاربة المشهد السوري خلال هذه المرحلة.
وتجدر الإشارة إلى أن الصحافة الفرنسية لا تزال تعتمد توصيف “الحرب الأهلية السورية” (guerre civile syrienne) بوصفه مصطلحا متداولا في خطابها الإعلامي منذ عام 2011، في إشارة إلى النزاع السوري بمراحله المختلفة، استنادا إلى تصنيفات النزاعات المسلحة الداخلية المعتمدة في الأدبيات السياسية والإعلامية.

لوموند استعادة السيطرة ونهاية تجربة الإدارة الذاتية
ركزت صحيفة لوموند في تغطيتها على البعد السياسي للاتفاق، واعتبرته تحولا أنهى سنوات من الإدارة الذاتية الكردية في مناطق من محافظتي الحسكة والرقة، وهي تجربة برزت عقب طرد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) (Islamic State – IS) بين عامي 2016 و2019. وقدمت الصحيفة الاتفاق بوصفه خطوة تعزز استعادة السلطة المركزية سيطرتها على هذه المناطق.
وتطرقت لوموند إلى بنود الاتفاق المتعلقة بدمج المقاتلين الأكراد بشكل فردي ضمن مؤسسات الدولة، دون الإبقاء على تشكيلات مستقلة، إضافة إلى انتقال إدارة الموارد النفطية والغازية إلى الحكومة السورية. كما أشارت إلى تباين المواقف المحلية، حيث نقلت معطيات عن مواقف متباينة بين سكان عرب أبدوا تأييدا لعودة مؤسسات الدولة، وسكان أكراد عبروا عن مخاوف تتعلق بمستقبل تمثيلهم السياسي.
كما أوردت الصحيفة مواقف أوروبية وأميركية دعت إلى التهدئة وضمان حقوق المكونات المحلية، مع تركيزها على التطورات الميدانية بوصفها عاملا حاسما في مسار الأحداث.

لوفيغارو مقاربة جيوسياسية وسيناريوهات التعامل الغربي
من جهتها، تناولت صحيفة لوفيغارو التطورات من زاوية جيوسياسية، مركزة على مسار الرئيس أحمد الشرع، وتناولت تحوله من فاعل عسكري إلى رئيس دولة يتعامل مع أطراف إقليمية ودولية. وأشارت الصحيفة إلى الجدل الذي يرافق هذا المسار، وإلى النقاشات التي أثارها على مستوى العلاقات الدبلوماسية مع العواصم الغربية.
وفي الوقت ذاته، سلطت لوفيغارو الضوء على ما وصفته بخيارات الواقعية السياسية، معتبرة أن بعض الدول الغربية تنظر إلى التعاون مع السلطة القائمة في دمشق بوصفه خيارا مطروحا في إطار السعي إلى الاستقرار ومنع تجدد الصراع. كما أولت اهتماما بالبعد الاقتصادي، بما في ذلك ملفات إعادة الإعمار، واحتمالات تخفيف العقوبات، وتنافس الدول الأوروبية، وخصوصا فرنسا، على حضور اقتصادي وسياسي في سوريا خلال مرحلة ما بعد النزاع.

ليبيراسيون التركيز على الملف الكردي وانتقاد السياسات الدولية
أما صحيفة ليبيراسيون، فقد خصصت تغطية موسعة لتداعيات الاتفاق على القوات الكردية، مركزة على مواقف انتقدت سياسات القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تجاه حلفائها المحليين. وربطت الصحيفة هذه التطورات بسياقات سابقة شهدت تغيرا في المواقف الدولية تبعا للاعتبارات الاستراتيجية.
ونشرت ليبيراسيون تقارير وتحليلات تناولت الاتفاق من زاوية انعكاساته على الخطاب السياسي الغربي المتعلق بحقوق الأقليات، مشيرة إلى نقاشات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية حول التوازن بين المصالح الأمنية والمبادئ المعلنة في السياسة الخارجية.

إلى جانب ذلك، تناولت وسائل إعلام فرنسية أخرى، من بينها قناة فرانس 24 (France 24)، تصريحات الرئيس السوري بشأن منح حقوق ثقافية للأكراد، بما في ذلك الاعتراف باللغة الكردية، وقدمت هذه الخطوات بوصفها إجراءات تهدف إلى احتواء التوترات القائمة، مع الإشارة إلى استمرار النقاش حول مستقبل الترتيبات السياسية والإدارية في تلك المناطق.
وعكست تغطية الصحافة الفرنسية لأحداث سوريا خلال يناير 2026 تعدد زوايا المعالجة الإعلامية، بين مقاربات تركز على استعادة سلطة الدولة، وأخرى تناقش إشكاليات الشرعية والتعامل الدولي، وثالثة تضع التطورات ضمن سياق أوسع مرتبط بمصير المكونات المحلية وتوازنات السياسة الدولية. ويبرز هذا التباين اختلاف الخطوط التحريرية، إضافة إلى تنوع الأطر التفسيرية التي تعتمدها وسائل الإعلام الفرنسية في مقاربة الملف السوري.




