البرهان يرهن “وقف النار” بإنهاء “السيادة الموازية”.. وواشنطن تطرح “هدنة غير مشروطة”

مصعب محمد- خاص مراسلين
رسم رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، ملامح مشروطة لأي تسوية مستقبلية، معتبراً أن أي وقف لإطلاق النار لا يتجاوز كونه “هدنة مؤقتة” ما لم يستند إلى قواعد صارمة تنهي ما وصفه بـ”السيادة الموازية”. وذهب البرهان، في مقال نشرته صحيفة “ألماناك ديبلوماتيك” التركية، إلى أن حتمية الحل السياسي تظل رهينة بتفكيك واقع “التمرد”، مشدداً على أن ثوابت التفاوض لدى القوات المسلحة “لم تتغير”.
وحدد البرهان ثلاثة اشتراطات جوهرية للعودة إلى طاولة المفاوضات، تبدأ بانسحاب القوات المتمردة من المناطق المحتلة، وإزالة الأسلحة الثقيلة من المعادلة الميدانية، وصولاً إلى إنهاء أي مراكز قوى تعمل خارج تسلسل القيادة الرسمي للدولة.
وأوضح رئيس مجلس السيادة أن الغاية الاستراتيجية في المرحلة الراهنة ليست “إدارة الصراع”، بل إعادة السودان إلى مسار “الدولة المؤسسية” ، في إشارة واضحة لرفض أي صيغ سياسية تكرس تعدد الجيوش أو تمنح شرعية لتشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة.
وحذر البرهان من أن الكارثة الإنسانية في السودان قد تجاوزت حدود النزاع العسكري لتتحول إلى “أزمة تنموية وجودية” تضرب عمق قدرة الدولة على الصمود. وأشار في مقاله إلى أن المدنيين هم من يدفعون الضريبة الأغلى في حربٍ أدت إلى تآكل الحواضر وتهاوي البنية التحتية وتوقف شريان الخدمات الأساسية، مستنداً إلى معطيات دولية تؤكد نزوح عشرات الملايين قسراً. و اعتبر البرهان أن “الدبلوماسية الإنسانية” وحماية المبادرات المحلية وصون قدرة المجتمع على المقاومة، هي “شرط مسبق” وجوهري في أي رؤية مستقبلية لإعادة إعمار السودان.”
وعلى الصعيد الإقليمي، حذر رئيس مجلس السيادة من خطورة التدخلات الخارجية التي تحول الأمن القومي السوداني إلى “خط ناقل” للتنافس الدولي، مشيراً إلى أن ثبوت دعم أطراف خارجية لـ قوات الدعم السريع بالحقائق الميدانية ساهم في إطالة أمد الحرب وتآكل النسيج الاجتماعي، داعياً إلى ضرورة أن يكون الحوار “سودانياً-سودانياً” بعيداً عن الإملاءات المفروضة من الخارج.
وفي بعدٍ يتصل بالاستقرار الإقليمي، ربط البرهان بين الأزمة السودانية وما يواجهه النظام الإقليمي من تحديات، مشيراً إلى أن الخطوات التي تقوض سيادة الدول وسلامة أراضيها—مستشهداً بنموذج “أرض الصومال”—تخلق سوابق تهدد التوازن الاستراتيجي في المنطقة، مؤكداً أن بوصلة الحل في السودان ستظل محكومة بمبدأ السيادة الوطنية المطلقة.
وفي السياق زار وفد سوداني يقوده رئيس المخابرات السودانية الفريق محمد إبراهيم مفضل- الأسبوع الماضي- العاصمة الأميركية واشنطن لمناقشة مقترح سعودي- أمريكي لإنهاء الحرب في السودان. ويطرح مقترح الهدنة ثلاثة نقاط أساسية: بدء هدنة غير مشروطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وبدء عملية سياسية شاملة، وإيصال الإغاثة الإنسانية لمستحقيها.
وقالت مصادر سياسية مطلعة لـ”مراسلين” أن المقترح السعودي-الأميركي لوقف الحرب في السودان يتضمن انسحاب لقوات الدعم السريع من بعض مناطق سيطرتها بالتزامن مع دخول قوات لحفظ السلام. وأضافت المصادر أن المقترح يتناول بعض التعديلات الطفيفة على خريطة طريق “الآلية الرباعية” المطروحة سابقا في سبتمبر/ أَيـْلُول من العام الماضي.
وفي الأثناء، بدأ وفد رفيع من “التحالف المدني لقوى الثورة – صمود”، بقيادة رئيسه د. عبدالله حمدوك، جولة أوروبية استهلها بالعاصمة الفرنسية باريس؛ تهدف إلى التنسيق مع الفاعلين الدوليين لبحث خطوات وقف الحرب عبر عملية متلازمة تربط بين وقف العدائيات، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتأسيس مسار سياسي يضمن الانتقال المدني الديمقراطي”.
وبالمقابل، شهدت العاصمة الماليزية كوالالمبور حراكاً موازياً، حيث استضافت اجتماعاً تشاورياً ضم عدد من الاحزاب والقوى السياسية السودانية، أبرزها حزب المؤتمر الشعبي وحزب المؤتمر الوطني بدعوة من منظمة “بروميديشن” الفرنسية، وذلك لبحث آفاق الحل السلمي وسبل وقف الحرب؛ في خطوة تعكس تعدد المسارات والمبادرات الساعية لاحتواء الأزمة السودانية عبر منصات إقليمية ودولية مختلفة”.
يُذكر أن العاصمة المصرية القاهرة كانت قد احتضنت في يوليو /تموز 2024، مؤتمراً موسعاً ضم طيفاً عريضاً من القوى السياسية والمدنية السودانية، تحت شعار “معاً لوقف الحرب” وهدف ذلك الحراك، الذي جرى بحضور دولي وإقليمي رفيع، إلى بلورة رؤى وطنية لإنهاء النزاع عبر حل سياسي شامل يحافظ على وحدة الدولة ومؤسساتها.
ويشهد السودان منذ أبريل/نيسان 2023 حربا دموية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مما أسفر عن آلاف القتلى وملايين النازحين، وسط تحذيرات متزايدة من تفاقم الأزمة الإنسانية واتساع رقعة العنف في البلاد.








