التراث الثقافي والهوية الوطنية السورية .. الذاكرة التي تصنع الانتماء

بقلم: المهندسة لونا رجب – خبيرة وطنية سورية ودولية في صون وحماية التراث المادي واللامادي وإعادة الإعمار
تشكل العلاقة بين التراث الثقافي والهوية الوطنية إحدى أكثر القضايا عمقاً وتعقيداً في المجتمعات التي تمتلك إرثاً حضارياً غنياً مثل سورية ، فالتراث هنا لا يُختزل في معالم أثرية أو مظاهر فولكلورية، بل هو التعبير الحي عن تراكم تاريخي طويل أسهم في صياغة الشخصية الوطنية السورية عبر آلاف السنين.
الهوية الوطنية ليست مفهوماً جامداً أو شعاراً سياسياً، بل هي نتاج تفاعل مستمر بين الإنسان ومحيطه، بين الذاكرة الجماعية والتجربة المعاصرة.
وفي هذا السياق، يلعب التراث دور الحامل الأساسي لهذه الذاكرة، إذ يوثق مسيرة المجتمعات، ويعكس قيمها وأنماط عيشها، ويمنح الأفراد شعورًا بالانتماء والاستمرارية.
في سورية، حيث تعاقبت حضارات متعددة، أسهم التراث في بناء هوية جامعة تتجاوز الانقسامات الدينية أو العرقية أو المناطقية.
فقد شكّل هذا التنوع الحضاري مصدر غنى ثقافي، لا عامل تشرذم، وأسهم في ترسيخ شعور الانتماء إلى فضاء حضاري مشترك.
ومن هنا، فإن استهداف التراث خلال فترات النزاع لم يكن عشوائيًا، بل جاء في سياق محاولة ضرب هذه الذاكرة الجامعة وإضعاف الرابط بين الإنسان وأرضه.

إن حماية التراث الثقافي تمثل، في جوهرها، دفاعًا عن الهوية الوطنية. فحين يفقد المجتمع ذاكرته المكانية والثقافية، يصبح أكثر هشاشة أمام محاولات التفكك والاغتراب.
لذلك، فإن إعادة الاعتبار للتراث في مرحلة ما بعد الحرب تُعد خطوة أساسية في مسار المصالحة المجتمعية، وإعادة بناء الثقة بين الأفراد ومحيطهم.
ولا يقتصر دور التراث في هذا السياق على الماضي، بل يمتد ليشمل الحاضر والمستقبل ، فالوعي بالتراث يساهم في بناء مواطن مدرك لجذوره، قادر على التفاعل مع العصر دون فقدان هويته.
ومن هنا، تبرز أهمية إدماج التراث في التعليم، وفي الفضاء العام، وفي السياسات الثقافية، بوصفه عنصراً حياً لا مجرد مادة للعرض.
إن التراث الثقافي السوري، بما يحمله من عمق وتنوع، ليس عبئاً على الحاضر، بل ركيزة أساسية لبناء هوية وطنية متماسكة، قادرة على مواجهة التحديات، واستشراف مستقبل أكثر توازناً واستدامة.




