مقالات

إرث الأكاسرة وطموح الفقيه.. إيران في مهب الريح

حتمية التغيير في هيكلية الدولة



عبدالله حسن زيد- صحفي سوري كاتب باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية

عندما تتعارض الطموحات الإقليمية مع الواقع المعيشي المتردي، وتتحول المؤسسات الداخلية إلى بؤر تعاني من ترهل إداري وفساد هيكلي، يصبح “التغيير” ليس مجرد خيار، بل ضرورة لبقاء الجسد السياسي. إن السياسة الإيرانية اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما التكيف مع الزخم الحضاري العالمي أو مواجهة “فيضان الشعوب” الذي لا يرحم.


أولا: من القومية الفارسية إلى الأممية الإسلامية


تاريخياً، قامت الإمبراطورية الفارسية (الأكاسرة) على مفهوم “المركزية الثقافية والسياسية”، وهو إرث حاولت ثورة 1979 بقيادة الخميني إعادة صياغته بقالب ديني عبر نظرية “ولاية الفقيه”.
أحدثت الثورة نقلة من “الملكية المطلقة” للشاه (الذي كان يطمح لشرق أوسط علماني حليف للغرب) إلى “الثيوقراطية المطلقة”. هذا التحول خلق فجوة عميقة مع الجوار العربي والمجتمع الدولي، خاصة مع تبني دستور الجمهورية الإسلامية لمبدأ “تصدير الثورة” ، مما أثار حفيظة الأنظمة القائمة وأدى إلى صراعات ممتدة.


ثانياً: استراتيجية “تحريك البيادق” والواقع الجغرافي


تعتمد إيران في سياستها الخارجية على “الدفاع المتقدم” أو تحريك البيادق في مناطق النزاع ما يعرف بحرب الوكالة (مثل سوريا، لبنان، واليمن). لكن هذا التوسع اصطدم بمشاريع دولية بدأت ملامحها منذ سبعينيات القرن الماضي لإعادة رسم “الشرق الأوسط الجديد”.
سقوط الأقنعة السياسية كشف أن القوة الحقيقية اليوم هي “قوة العقل الرقمي”. فبينما تستثمر القوى العظمى في الذكاء الاصطناعي والثورة التكنولوجية لتأمين مصالحها، لا تزال العقلية الراديكالية تعتمد على “السطوة الأمنية”، مما يخلق فجوة معرفية وتقنية تجعل النظام عرضة للاختراق والانهيار أمام أدوات العصر الحديث.


ثالثاً: الاقتصاد كقوة محركة للسياسة (البراغماتية الرأسمالية)


في الأنظمة العالمية المعاصرة، القاعدة الذهبية هي: “الاقتصاد هو من يرسم الخارطة السياسية”.
النظام الرأسمالي العالمي يتعامل مع الدول كـ “وحدات اقتصادية”. إذا تعارضت أيديولوجية الدولة مع تدفق التجارة العالمية (خاصة في مضيق هرمز وممرات الطاقة)، فإن النظام العالمي يتجه لاستبدال تلك الأنظمة أو تحجيمها، مهما كان تاريخ تحالفها.
تعاني إيران من عزلة اقتصادية خانقة نتيجة العقوبات، مما جعل “مركز الدراسات الاستراتيجية” العالمي ينظر إليها كفرصة استثمارية معطلة تنتظر “تغيير الوجه السياسي” لتتحول إلى سوق استهلاكي ومنتج للطاقة ضمن المنظومة العالمية.


رابعاً: سيكولوجية الجماهير والثورة الرقمية


لا يمكن إغفال أن المعطيات الاجتماعية (من مأكل ومشرب وحياة زوجية) التي ذكرتها هي “وقود التغيير”. فالعقل البشري الذي أنتج الذكاء الاصطناعي، أنتج أيضاً وعياً جمعياً عابراً للحدود.


المحاولات الإيرانية للسيطرة على الفضاء الرقمي أو تحصيل قوة عسكرية استراتيجية ضاربة في المنطقة أو الإقليم “المسارعة لحل الملف النووي” تارة, ومنافسة التكنولوجيا الغربية تارة أخرى، تصطدم بواقع أن الشعوب أصبحت تملك أدوات “المراقبة المضادة”. فالجانب المعمى عند إيران أنها تزاحم في منطقة تكتل نفوذ أمريكي وغربي متجذر في مصالحه وواضع أقصى تفكيره في كمين متقدم يستطيع تحريكه متى شاء في الشرق في حال تأذي مصالحه أو نفوذه في المنطقة.


إن إرادة الشعوب هي القوة الضاربة التي تتجاوز السلاح، والرهان على القمع الأمني في عصر الشفافية الرقمية هو رهان خاسر.
في نهاية المطاف، من يرسم الخريطة هو من يمتلك “الدهاء الاستراتيجي” والقدرة على التكيف. الشرق الأوسط اليوم بحاجة إلى وجوه جديدة وسياسات تنبذ الأيديولوجيات المتصلبة لصالح الرفاه الاقتصادي.

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews