اليمنتقارير و تحقيقات

سرطان الثدي في اليمن.. وجوه للنجاة ورسائل للفحص المبكر

تقرير : فاطمة العنسي- مراسلين

يُعد سرطان الثدي أكثر أنواع السرطانات شيوعاً بين النساء في اليمن، ويمثل تحدياً صحياً متزايداً في ظل محدودية إمكانات التشخيص والعلاج.
وتُشير التقديرات إلى تزايد معدلات الإصابة خلال السنوات الأخيرة، فيما تُشخص أغلب الحالات في مراحل متقدمة بسبب ضعف الوعي بأهمية الفحص المبكر وقلة المراكز المتخصصة، ورغم هذه التحديات، تواصل المؤسسات الصحية والمجتمعية تنفيذ حملات توعوية وبرامج دعم تهدف إلى تعزيز الكشف المبكر وتخفيف معاناة المصابات.
ففي اليمن، لا يُعد سرطان الثدي مجرد مرض، بل قصة صراع يومي تخوضه آلاف النساء بشجاعة رغم الألم والظروف الصعبة.
بين نقص مراكز التشخيص وضيق الحال المادي، تبقى الإرادة والأمل هما السلاح الأقوى، ومع كل حملة توعوية وكل فحص مبكر، تولد فرصة جديدة للحياة ورسالة تقول إن الكشف المبكر يمكن أن ينقذ روح.

حياة جديدة
في إحدى غرف العلاج بمستشفى الأورام في محافظة تعز جنوب غربي البلاد، تجلس أمينة، سيدة في الأربعين من عمرها، بابتسامة تحمل تاريخاً من الألم والانتصار.
قبل عامين فقط، كانت كلمة “سرطان” كفيلة بتبديل ملامح حياتها، اليوم تتحدث عنها كذكرى بعيدة وتقول بثقة :
“لم أكن أتوقع أن الشفاء ممكن، لكن الفحص المبكر أنقذ حياتي.”
بدأت قصة أمينة حين لاحظت تغيراً بسيطاً في شكل ثديها، تجاهلت الأمر في البداية ظناً منها أنه عارض مؤقت، لكن إصرار أسرتها على إجراء الفحص غير مجرى الأحداث وبعد سلسلة من التحاليل، تأكد التشخيص: سرطان ثدي في مراحله الأولى.
تستذكر أمينة تلك اللحظة قائلة : “تجمد كل شيء من حولي، شعرت أن الحياة انتهت، لكن الطبيب قال لي جملة لا أنساها: اكتشاف المرض مبكراً هو نصف العلاج”.

انطلقت بعدها في رحلة علاج استمرت عدة أشهر بين جلسات الكيماوي والإشعاع، وخسرت شعرها الذي كان رمزاً لأنوثتها، لكنها لم تستسلم واستمرت في تلقي العلاج.

واليوم، بعد أن أعلن الأطباء شفاؤها التام، تحولت قصتها إلى مصدر إلهام للنساء في محيطها.
“كل ما أتمناه أن تسمع كل امرأة قصتي وتفكر بإجراء الفحص المبكر لا تنتظروا الأعراض، فالوقت هو الفارق بين الخطر والنجاة” تختتم حديثها.

المريضة أمينة مع حالات في مستشفى الأورام بمحافظة تعز جنوب غربي اليمن
ارتفاع ملحوظ
شهد مركز المؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان في تعز ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الحالات الجديدة المصابة بسرطان الثدي خلال العام المنصرم 2025م، حيث استقبل منذ يناير حتى نهاية العام نحو 230 حالة جديدة، إلى جانب العديد من الحالات التي تتابع العلاج أو الفحوصات الدورية. بحسب حديث امتياز الزبير المسؤولة الإعلامية لمؤسسة السرطان في تعز.

وتقول الزبير إن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في عدد النساء اللاتي يتقدمن للفحص المبكر، وهو مؤشر إيجابي يعكس ارتفاع مستوى الوعي الصحي في المجتمع بفضل الحملات التوعوية المتواصلة، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى استمرار انتشار المرض وارتفاع معدل الإصابة به.

وتضيف الزبير أن أبرز الصعوبات التي تواجه المصابات ما تزال تتمثل في صعوبة الوصول إلى خدمات التشخيص المبكر نتيجة غياب المراكز المتخصصة داخل المحافظة، فضلاً عن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تحول دون إجراء الفحوصات أو استكمال العلاج في الوقت المناسب.

امتياز الزبيري- في إحدى الفعاليات التوعوية بسرطان الثدي
وفي إطار تعزيز الوعي، تنفذ المؤسسة سنوياً حملة “أكتوبر الوردي” تحت شعار «اطمئني»، التي تستمر لأكثر من شهر وتشمل محاضرات توعوية في الجامعات والمدارس والمراكز الصحية، إلى جانب افتتاح العيادة الوردية التي تقدم خدمات الكشف المجاني بجهاز الالتراساوند.
وأسهمت هذه الجهود في رفع معدلات الإقبال على الفحص المبكر بشكلٍ ملموس، ما ساعد في اكتشاف عددٍ من الحالات في مراحلها الأولى، فارتفعت بذلك فرص الشفاء وانخفضت المضاعفات. وفق قولها.

مفاهيم خاطئة

الدكتور/هشام عبدالعزيز- أخصائي الأورام الصلبة- مركز الأمل لعلاج الأورام -تعز/اليمن

يؤكد الدكتور هشام عبد العزيز، أخصائي الأورام الصلبة في مركز الأمل لعلاج الأورام بمدينة تعز، أن أخطر ما يواجه الأطباء في معركة مكافحة سرطان الثدي ليس المرض نفسه بقدر ما هي المفاهيم الخاطئة التي تنتشر بين النساء، وتخلق حاجزاً نفسياً يمنع كثيرات من المبادرة إلى الفحص المبكر.

ويضيف : “من أبرز هذه المفاهيم الخاطئة التي نلاحظها بين النساء في اليمن هو الاعتقاد بأن تشخيص سرطان الثدي يعني الموت المحتوم، والحقيقة العلمية أن نسبة الشفاء العامة من هذا المرض تصل إلى نحو 90%، وترتفع إلى ما بين 98 و100% في حال تم الكشف عنه مبكرًا. الكشف المبكر هو الحياة بكل معنى الكلمة”.

ويؤكد أن الوراثة لا تمثل سوى 5% فقط من حالات الإصابة، بينما تتعلق النسبة الأكبر بعوامل أخرى مثل التغذية غير الصحية، وقلة النشاط البدني، والتعرض للعوامل البيئية الضارة.

ويشير عبدالعزيز إلى أن هناك أخطاء شائعة منتشرة أبرزها الاعتقاد بأن أخذ الخزعة أو العينة من الورم يؤدي إلى انتشار المرض في الجسم، وهذا تصور لا أساس له من الصحة العلمية، إذ إن الخزعة خطوة ضرورية لتحديد نوع الورم ودرجة انتشاره ووضع الخطة العلاجية المناسبة.

ويتابع: إن من المفاهيم الأخرى التي تحتاج إلى تصحيح هو الاعتقاد بأن سرطان الثدي لا يصيب إلا النساء المتقدمات في العمر، أو أنه مرتبط فقط بعوامل وراثية فكل امرأة معرضة للإصابة به، خاصة في ظل غياب الفحص الدوري، كما أن الخوف الكبير من نتيجة الفحص يدفع كثيراً من النساء إلى تأجيل الكشف، خشية مواجهة الحقيقة، ما يؤدي إلى تفاقم الحالة وتأخر العلاج.

مؤكدا أن الكشف المبكر لا يزيد فقط من نسب الشفاء، بل يجعل العلاج أبسط وأقل تعقيدا، موضحا: “في المراحل المبكرة يمكننا في كثير من الحالات الاكتفاء باستئصال جزء بسيط من الثدي دون الحاجة إلى إزالة الغدد الليمفاوية، ما يقلل من الإجراءات المشددة التي تتبعها المريضة لاحقا فيما يتعلق بالعناية بصحة اليد في الجهة المصابة، وقد لا نحتاج إلى العلاج الكيميائي إطلاقا.”

هذا التبكير في التشخيص، كما ينوه، يحافظ على جودة حياة المريضة النفسية والجسدية، ويمنحها فرصة للعودة إلى حياتها الطبيعية في وقت قصير.
ويلفت الدكتور هشام أن الواقع الطبي في اليمن يفرض تحديات كبيرة أمام جهود الكشف المبكر والعلاج الفعال، فالكثير من المراكز الطبية تفتقر إلى الأجهزة الحديثة مثل أجهزة الماموغرام والألتراساوند المتخصصة، فضلا عن النقص في الكوادر المؤهلة والمدربة على التعامل مع الحالات السرطانية بدقة ومهارة، سواء من الناحية الإكلينيكية أو النفسية.

مضيفاَ أن مركز الأمل لعلاج الأورام في تعز يسعى ضمن إمكانياته المحدودة لتوفير خدمات الكشف والعلاج، إلا أن الحاجة ماسة إلى دعم متكامل يشمل تجهيز المراكز في مختلف المحافظات، وتدريب الطواقم الطبية والفنية، وتوسيع نطاق التوعية المجتمعية.

يختتم حديثه بالإشارة إلى ضرورة وجود حملات توعية مستمرة، كما يشدد على وجوب وصولها إلى المناطق الريفية والنائية، حيث تعيش شريحة واسعة من النساء بعيداً عن المراكز الصحية، منوهاً إلى ضرورة توفير عيادات متنقلة وأيام كشف مجانية لتسهيل وصول النساء إلى خدمات الفحص المبكر.

مبادرات ميدانية للتوعية والكشف المبكر
في محافظة تعز، وبمبادرةٍ من مؤسسة التحكم الوطني بالسرطان – تعز (National Cancer Control Foundation – Taiz)، تُطلق سنويتا حملة «الحملة الوردية» (Pink Campaign) للتوعية بسرطان الثدي وتشجيع النساء على إجراء الفحص المبكر. وفي عام 2025، تم تسجيل 198 حالة جديدة لسرطان الثدي منذ بداية العام حتى أغسطس في مركز الأمل للعلاج، أحد المراكز المشاركة في المبادرة.
وفي العاصمة صنعاء، افتُتحت وحدة التشخيص المبكر للثدي والرحم في مستشفى السبعين للأمومة والطفولة (Al-Sabeen Maternity & Childhood Hospital)، مُزودة بتقنيات تصوير ماموغرام للتشخيص المبكر، وسط حضورٍ رسمي ووزاري، مما يُعد خطوةً جدّية نحو توسيع خدمات الكشف المبكر في اليمن.
من جهة أخرى، تدعم منظمة الصحة العالمية (WHO) مشروع “الصحة الطارئة” في اليمن، الذي يُركّز على الكشف المبكر لسرطان الثدي، مشيرةً إلى أن التأخير في التشخيص يُعد من أكبر التحديات الصحية في البلاد.

الأمل هو الرسالة
في ظل التحديات الصحية والاقتصادية التي تواجهها المصابات بسرطان الثدي في اليمن، تواصل الجهود المجتمعية والطبية دورها الحيوي في نشر الوعي وتشجيع الفحص المبكر، بما يمنح الأمل في تقليل المعاناة وإنقاذ المزيد من الأرواح، ويظل الاستثمار في الوقاية والدعم الإنساني خطوة أساسية نحو مستقبل أكثر صحة ووعياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews