الأجهزة الطبية في الشرق الأوسط.. لماذا لم تكسر المنطقة بعد حلقة الاستيراد؟

ترجمة وتحرير: عصام حريرة – مراسلين
نقاط رئيسية:
• تسهم العلاقة الإيجابية بين أسواق مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة في تقليص الاعتماد الرئيسي على الصين في استيراد الأجهزة الطبية، مقارنةً ببقية أسواق الشرق الأوسط.
• ستظل أسواق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موردين رئيسيين لمنتجات الأجهزة الطبية المتقدمة إلى الشرق الأوسط على المدى القصير إلى المتوسط.
• سيبقى تطوير الطاقة الإنتاجية هدفًا أساسيًا للمنطقة، لكن قلة عدد السكان ومحدودية الخبرات سيُعطِّلان توسّع التصنيع في بعض الأسواق.
تُسهم العلاقة الإيجابية بين أسواق مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة في خفض الاعتماد على برّ الصين الرئيسي في استيراد الأجهزة الطبية، مقارنةً ببقية أسواق الشرق الأوسط؛ حيث تعتمد أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) اعتمادًا كبيرًا على الواردات لتلبية احتياجاتها من الأجهزة الطبية. وتعتبر الولايات المتحدة والصين موردين رئيسيين للأجهزة الطبية إلى المنطقة، فيما تُسهم أسواق الاتحاد الأوروبي أيضًا بنصيب معتبر من الواردات، وعند فحص الواردات من الولايات المتحدة والصين عبر أسواق المنطقة تبرز مجموعتان متميزتان بوضوح.
فأسواق مجلس التعاون الخليجي و”إسرائيل” تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة وبدرجة أقل على الواردات الصينية، في حين تعتمد أسواق أخرى في المنطقة، مثل اليمن والمغرب، بصورة أكبر على الأجهزة الطبية القادمة من الصين. وتسعى كلٌّ من الولايات المتحدة والصين للحفاظ على نفوذهما في المنطقة، غير أن أسواق مجلس التعاون الخليجي و”إسرائيل” تُولي اهتمامًا أكبر بالحفاظ على علاقات إيجابية مع الولايات المتحدة نظرًا للشراكات الأمنية طويلة الأمد. بالمقابل، تُبدي أسواق شمال أفريقيا انفتاحًا أوسع على الاندماج الاقتصادي مع الصين، ومع ذلك تعتبر تونس وإيران حالتين استثنائيتين في المنطقة. فقد تأثرت واردات إيران من الأجهزة الطبية بالعقوبات التجارية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والتي خلقت عوائق أمام التجارة أثّرت في الأجهزة الطبية رغم أن هذه المنتجات لم تكن مستهدفة تحديدًا. أما تونس، فإن تمتّعها بطاقة إنتاجية قوية في مجال الأجهزة الطبية وعلاقاتها التجارية المتينة مع الاتحاد الأوروبي، يدعمان استقلالها النسبي عن كلٍّ من الولايات المتحدة والصين.

في السياق ذاته، ستظل أسواق الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موردين أساسيين لمنتجات الأجهزة الطبية المتقدمة إلى الشرق الأوسط على المدى القصير إلى المتوسط. ورغم تنامي حضور الأجهزة الطبية الصينية في أسواق المنطقة، فإن كثيرًا من هذه المنتجات يندرج ضمن المستهلكات والسلع منخفضة التكلفة. فعلى سبيل المثال، تعتبر الصين موردًا رئيسيًا للمحاقن والضمادات الطبية إلى أسواق الشرق الأوسط، كما تُورِّد منتجات تصوير تشخيصي منخفضة التكلفة، بما في ذلك أجهزة الموجات فوق الصوتية وأجزاء وملحقات التصوير.
ومع ذلك، ما زالت المنطقة تعتمد على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في توفير الأجهزة الطبية المتقدمة؛ حيث تعتبر الولايات المتحدة موردًا رئيسيًا للأجهزة التقويمية في الشرق الأوسط، فالأطراف الصناعية وأجهزة التثبيت تندرج ضمن أعلى خمس فئات منتجات مستوردة من الولايات المتحدة إلى المنطقة. كما يعتبر الاتحاد الأوروبي المصدر الأبرز لمنتجات التصوير التشخيصي ذات الهوامش الربحية المرتفعة، بما في ذلك أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) وأجهزة التصوير المقطعي المحوسب (CT).

ومن المتوقع أن يُبقي الاختلاف في أنواع المنتجات المورَّدة إلى المنطقة على اعتماد الأسواق على الواردات من كبار المنتجين الثلاثة للأجهزة الطبية، لكن مع تطوير الصين لقدراتها التصنيعية المتقدمة يُتوقع أن تفضّل الاقتصادات الأقل تطورًا في المنطقة تقنيات التصوير التشخيصي الصينية على المنتجات الأعلى تكلفة القادمة من الاتحاد الأوروبي.
من جهة أخرى، سيظل تطوير الطاقة الإنتاجية المحلية وتقليص هشاشة سلاسل الإمداد هدفًا محوريًا للمنطقة، لكن قل عدد السكان ومحدودية الخبرات سيُعطِّلان توسّع التصنيع في بعض الأسواق. وتبقى الطاقة التصنيعية للأجهزة الطبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محدودة للغاية في الوقت الراهن، رغم إدراك الأسواق للهشاشة الاستراتيجية الناجمة عن الاعتماد على الواردات لتأمين المنتجات الطبية الأساسية.
بناءً على ذلك، أُطلقت عدة مبادرات لتعزيز إنتاج الأجهزة الطبية عبر المنطقة؛ فعلى سبيل المثال يقتصر التصنيع في السعودية حاليًا على عدد محدود من الشركات المحلية التي تُنتج مستهلكات منخفضة الهوامش، بينما يسعى السوق لتوسيع إنتاج الأجهزة الطبية بحيث يُلبَّى 15% من الاحتياجات عبر التصنيع المحلي بحلول عام 2030، وذلك في إطار خطط “رؤية 2030” الأوسع لتنويع الاقتصاد. وتحمل بقية أسواق مجلس التعاون الخليجي أهدافًا مماثلة في وثائق رؤاها الاستراتيجية، لكنها ستواجه تحديًا مستمرًا يتمثل في نقص الخبرات في التصنيع المعقّد نتيجة قلة عدد السكان.
وقد تكون أسواق شمال أفريقيا في وضع أفضل للتحول إلى مراكز إقليمية لتصنيع الأجهزة الطبية؛ حيث تُظهر المنطقة بالفعل طاقة إنتاجية معتبرة في قطاع الصناعات الدوائية. وتعتبر تونس والجزائر وليبيا من أبرز مُصنّعي الأجهزة الطبية في المنطقة؛ ففي الجزائر يدعم هذا الإنتاج الطلب المحلي ويُشكّل جزءًا من استراتيجية أوسع للحد من الاعتماد على الواردات للمنتجات الطبية، بينما يُوجَّه جزء كبير من إنتاج تونس وليبيا إلى التصدير بدل تلبية الطلب المحلي، ما يُبقي على هشاشة سلاسل الإمداد في هذين السوقين. كما تتمتع كلٌّ من المغرب ومصر، بفضل كثافة سكانية كبيرة وسهولة النفاذ التشغيلي إلى الأسواق الأوروبية، بمقومات قوية لتوسيع الطاقة التصنيعية للأجهزة الطبية.
المصدر: مؤسسة فيتش سوليوشنز



