الحرب السورية واستهداف التراث الثقافي .. تدمير الذاكرة قبل الحجر

بقلم: المهندسة لونا رجب – خبيرة سورية وطنية ودولية في صون وحماية التراث المادي واللامادي وإعادة الإعمار
شكّلت الحرب التي فرضها النظام البائد على سورية واحدة من أقسى المراحل التي مرّ بها التراث الثقافي في تاريخ البلاد الحديث، إذ لم تقتصر آثارها على الدمار المادي الذي لحق بالمواقع الأثرية والمراكز التاريخية، بل امتدت لتطال البعد الرمزي والإنساني للتراث، بوصفه حاملاً للذاكرة والهوية والانتماء.
لقد تعرّضت مواقع أثرية ذات قيمة عالمية، ومدن تاريخية عريقة، لأضرار جسيمة نتيجة القصف والعمليات العسكرية، إضافة إلى أعمال التخريب المتعمّد والنهب والاتجار غير المشروع بالآثار.
ولم تكن هذه الاعتداءات عشوائية في كثير من الأحيان، بل استهدفت رموزاً ثقافية تشكّل جزءاً من الوعي الجمعي للسوريين، في محاولة لقطع الصلة بين الإنسان ومكانه وتاريخه.

غير أن الخسائر لم تكن مادية فحسب . فقد رافق تدمير التراث نزوح واسع للسكان من المدن القديمة والمناطق التاريخية، ما أدّى إلى تفكك النسيج الاجتماعي الذي شكّل على مدى قرون عنصر الحماية الأساسي لهذه المواقع.
ومع تغيّر البنية الديمغرافية، فقدت العديد من الأماكن حيويتها ووظيفتها الثقافية، وتحولت من فضاءات معيشة حيّة إلى مواقع مهجورة أو متضررة.
كما أسهمت الظروف الاقتصادية الصعبة في تفاقم الانتهاكات بحق التراث، إذ دفع الفقر وغياب البدائل بعض الأفراد إلى التنقيب غير الشرعي أو الاتجار باللقى الأثرية، غالباً دون إدراك للقيمة التاريخية والعلمية لما يتم فقدانه.
هذه الممارسات لم تدمّر الآثار فحسب، بل قضت على سياقات أثرية كاملة لا يمكن تعويضها.
تكشف هذه المرحلة بوضوح أن التراث الثقافي في أوقات النزاع يصبح هدفاً مباشراً ، لأنه يمثّل الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية، ومن هنا، فإن حماية التراث ليست مسألة ثقافية ثانوية، بل قضية سيادية وإنسانية، ترتبط بحق الشعوب في الحفاظ على تاريخها وسرديتها الخاصة.
اليوم بعد إنتصار الثورة السورية ، من الضروري توثيق الأضرار، واستعادة ما يمكن استعادته، وبناء استراتيجيات للحماية في أوقات الأزمات .
ومن ثم ، لا بد من بناء رؤية واضحة ملزمة لكل الجهات الحكومية ، تتبناها استراتيجية وطنية ذات أسس متينة تحفظ التراث للمستقبل ، وتعمل على صونه وتأهيله وتوظيفه واستثماره بالطريقة الأمثل ، والسعي لتحويله لمورد رزق مستدام للمجتمع المحلي المحيط بهذا الموقع.
كل ذلك يشكّل ضرورة ملحّة، ليس فقط لإنقاذ ما تبقى من التراث، بل لإعادة الاعتبار لقيمته في مسار التعافي الوطني ، وبناء السلام الوطني والتماسك المجتمعي.




