فيدان في طهران: مساعي تركية لفتح مسارات إقليمية قبل تصاعد الأزمات

علي زم – مراسلين
يقوم وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بزيارة إلى طهران اليوم الأحد، في ظل وجود ملفات عديدة مفتوحة بين البلدين، تمتد من تطورات سوريا وغزة إلى مستقبل العلاقات الاقتصادية والأمنية الثنائية. وبحسب ما أعلنته وزارة الخارجية التركية، فإن محور هذه الزيارة يتمثل في بحث فرص تعزيز العلاقات والإعداد لاجتماع مجلس التعاون رفيع المستوى بين البلدين، وهو الاجتماع المقرر عقده في فبراير من العام المقبل بحضور الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس مسعود بزشكيان، والذي قد يشكل خريطة طريق جديدة للعلاقات الثنائية.
وتشمل الملفات المطروحة وفق مصادر لميدل ايست نيوز خلال الزيارة تشمل قضايا مهمة مثل أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتطوير البنى التحتية الحدودية، وتسريع مشاريع النقل، وزيادة حجم التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار. كما يُشار إلى أن تركيا كانت أول دولة أعلنت، في أكتوبر الماضي وبعد تفعيل آلية “سناب باك”، فرض عقوبات وتجميد أصول عدد كبير من الأفراد والجهات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وذلك في إطار تنسيقها مع الجهود الدولية الهادفة للضغط على طهران.
محور مهم وحاسم في زيارة فيدان يرتبط برؤية تركيا للوضع في سوريا بعد مرور نحو عام على وصول أحمد الشرع إلى السلطة. فخلافاً للمرحلة السابقة التي كانت فيها أنقرة تصر على رحيل بشار الأسد، باتت تركيا اليوم طرفاً لعب دوراً أساسياً في اختيار الشرع وتقدم دعماً مباشراً للحكومة الجديدة. مع ذلك، تحتاج أنقرة إلى تحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع طهران؛ إذ إن إيران لا تزال تمتلك نفوذاً ووزناً مهماً في المنطقة، ولا يمكن لأي حكومة في دمشق ضمان استقرار طويل الأمد دون مراعاة دورها. وترى تركيا أن سوريا ما بعد الأسد تحتاج إلى نموذج أمني جديد، وهو ما يعززه الخلفية الأمنية لهاكان فيدان نفسه. وتذهب بعض التحليلات إلى أن أنقرة تسعى لإنهاء النهج الإيراني “الصِفري” في سوريا، فدور طهران ضروري بالنسبة لها، خصوصاً أن حكومة الشرع ما زالت في مرحلة ترسيخ سلطتها.
ومن القضايا الأخرى، وجود ما تبقى من قوات حزب العمال الكردستاني في شمال وشمال شرق سوريا. فبعد بيان عبد الله أوجلان والإعلان الرسمي عن إنهاء الكفاح المسلح، تغيّرت المعادلات الأمنية في المنطقة. ولم يعد حزب العمال الكردستاني قوة عسكرية موحدة، إذ باتت أجنحته المختلفة تتبع مسارات متباينة. وتحاول تركيا إقناع إيران باستثمار هذه المرحلة لبناء هيكل أمني مشترك يمكن أن يشكّل بديلاً مناسباً عن العمليات الاستنزافية التي شهدها العقد الماضي. ومن هذه الزاوية، تأتي زيارة فيدان باعتبارها محاولة لصياغة “هندسة أمنية جديدة” في المنطقة، وليس مجرد حوار ثنائي.
الدور المحتمل لتركيا في معادلة إيران والغرب والانعكاسات الإقليمية لزيارة فيدان
إلى جانب الملف السوري، يشكّل احتمال لعب تركيا دور الوسيط بين إيران والغرب أحد أهم جوانب زيارة فيدان. فقد جرت خلال الأشهر الماضية جولتان من المحادثات السرية بين مساعدي وزراء الخارجية الإيرانيين وثلاثي أوروبا في أنقرة. ورغم عدم تحقيق نتائج إيجابية، فإن هذه اللقاءات حملت رسالة واضحة مفادها أن تركيا مستعدة دائماً للقيام بدور الاستضافة وتسهيل الحوار في ما يتعلق بالأزمة النووية الإيرانية والمتابعات المرتبطة بتفعيل آلية الزناد.
وتحاول أنقرة، إدراكاً منها للظروف الجديدة التي تواجه إيران بعد تفعيل الآلية وتزايد الضغوط، استعادة موقع شبيه بدورها خلال الأعوام 2010–2012 عندما طرحت مع البرازيل مبادرة تبادل الوقود. واليوم، تسعى تركيا لإعادة تقديم نفسها وسيطاً موثوقاً، مستندة إلى علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع إيران، إلى جانب شراكاتها الاستراتيجية مع أوروبا والولايات المتحدة. وقد يكون جزء من مهمة فيدان في طهران هو إقناع القيادة الإيرانية بأن فتح قناة حوار مستمرة مع الغرب—حتى دون التوصل لاتفاق—يمكن أن يخفف الضغوط السياسية والاقتصادية عليها.
وفي السياق ذاته، تُعطي التطورات في العراق أهمية إضافية لهذه الزيارة. فبعد الانتخابات البرلمانية، بدأت مرحلة تنافس حاد لتسمية رئيس الوزراء الجديد، ودفعت موازين القوى بين التحالفات الشيعية والأكراد والسنة باتجاه إعادة ترتيب المشهد السياسي. تدرك تركيا أن مستقبل الحكومة العراقية سينعكس مباشرة على أمن حدودها الجنوبية، ووضع إقليم كردستان، والمشاريع الاقتصادية الكبرى مثل “ممر التنمية” وخطوط أنابيب الطاقة. من خلال زيارته إلى طهران، يسعى فيدان لضمان الحد الأدنى من التنسيق كي لا تتشكل حكومة “مناهضة لتركيا” في بغداد.
كما تكتسب الزيارة أهمية خاصة في ملف جنوب القوقاز. فبعد بسط أذربيجان سيادتها الكاملة على قره باغ وبدء جولة جديدة من المفاوضات مع أرمينيا، برز مجدداً الدور الحيوي لكل من إيران وتركيا. تسعى أنقرة إلى رسم مسارات ترانزيت جديدة بالتنسيق مع إيران، بما يخفّض التوترات الأمنية على الحدود المشتركة ويفتح في الوقت نفسه طرقاً اقتصادية جديدة. أما طهران، فهي تعمل على منع توسع النفوذ التركي في القوقاز دون تنسيق مسبق. وقد تشكل زيارة فيدان فرصة لإعادة ضبط مسار التنافس بين البلدين، مع تعزيز التعاون بشكله المتوازن.
في المحصلة، فإن زيارة وزير الخارجية التركي إلى طهران ليست مجرد لقاء دبلوماسي اعتيادي، بل تأتي في وقت تشهد فيه ملفات سوريا والعراق والقوقاز وعلاقات إيران بالغرب، إضافة إلى ملف حزب العمال الكردستاني، تحولات متسارعة. تدرك أنقرة أن أي خطوة من دون تنسيق مع طهران لن تقود إلى نتائج مستقرة. وفي المقابل، تعرف إيران أن وجود شريك إقليمي فاعل مثل تركيا في مرحلة ما بعد آلية الزناد وتزايد الضغوط الغربية قد يشكل فرصة لفتح مسارات جديدة أمامها.



