الردع أولاً والحوار مؤجلا: أوروبا بين استنزاف الحرب ورهان السلام في أوكرانيا

سارة جودي – مراسلين
منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير 2022، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه في قلب واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية منذ نهاية الحرب الباردة. فإلى جانب الدعم العسكري والاقتصادي الواسع لكييف، برز داخل العواصم الأوروبية نقاش متزايد حول إمكانية الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى البحث عن أفق حل سياسي، وهو نقاش عادت ملامحه للظهور بقوة مطلع عام 2026 مع تصريحات متباينة لقادة أوروبيين ومؤسسات الاتحاد.

في هذا السياق أعاد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون طرح فكرة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو، في مقاربة توازن بين الدعم الصريح لأوكرانيا والحفاظ على إمكان الحل السياسي. فالرئيس الفرنسي كان قد شدد في أكثر من مناسبة على أن «السلام في أوروبا لا يمكن أن يبنى دون التفكير في ما بعد الحرب»، معتبرا أن أي تسوية مستقبلية ستفرض في نهاية المطاف الجلوس إلى طاولة المفاوضات، حتى وإن بدا ذلك اليوم بعيدا. هذا الطرح يعكس رؤية فرنسية تقليدية ترى في الدبلوماسية أداة موازية للقوة لا نقيضا لها.
من جهتها ذهبت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى الحديث عن ضرورة التفكير في استئناف الحوار، إذ صرحت بأن «الوقت قد حان لكي تتحدث أوروبا أيضا مع روسيا»، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن أي خطوة من هذا النوع يجب أن تتم بشكل موحد. وأضافت محذرة: «إذا ذهبنا للتواصل مع روسيا في شكل متفرق، فإننا سنقدّم خدمة إلى فلاديمير بوتين، وهذا آخر ما نريده». كما دعت إلى تعيين مبعوث أوروبي خاص يعبر عن موقف واحد، معتبرة أن وحدة الصوت الأوروبي شرط أساسي لأي دور فعال في مسار التفاوض.

في المقابل جاء رد المؤسسات الأوروبية أكثر تحفظا. فقد أكدت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية أن الحديث عن استئناف الحوار «ليس مطروحا في الوقت الراهن»، مضيفة بلهجة حاسمة: «نحن لا نرى أي مؤشر يدل على أن بوتين يرغب فعلا في الدخول في مناقشات». هذا التصريح يعكس موقفا مؤسساتيا قائما على قراءة ميدانية وسياسية مفادها أن موسكو لا تزال تعتمد منطق القوة، وأن أي مبادرة حوار في هذه المرحلة قد تفسر على أنها تراجع أو إقرار بالأمر الواقع. وتبقى شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محور هذا الجدل الأوروبي. فالاتحاد الأوروبي كما تنقل الصحافة الفرنسية، يرى أن الكرملين لم يبد بعد استعداده لتغيير استراتيجيته، سواء عبر وقف إطلاق النار أو تقديم ضمانات سياسية واضحة. لذلك تعتبر بروكسل أن أي حديث عن إعادة إدماج روسيا في المنصات الدولية أو إطلاق مفاوضات شاملة يبقى «سابقا لأوانه» في ظل استمرار الحرب.
ولا يمكن فصل هذا الجدل الأوروبي الداخلي عن السياق الدولي الأوسع الذي يحيط بالحرب في أوكرانيا، خصوصا مع عودة ترامب وما رافق ذلك من ضغوط مباشرة وغير مباشرة على الحلفاء الأوروبيين. فترامب لم يخف في مواقفه المتكررة رغبته في تقليص الالتزام الأميركي تجاه أوكرانيا، معتبرا أن أوروبا يجب أن تتحمّل العبء الأكبر سياسيا وماليا وعسكريا. هذا الخطاب دفع العواصم الأوروبية إلى إعادة التفكير في خياراتها الاستراتيجية، بما في ذلك البحث عن هامش من الاستقلالية الدبلوماسية يسمح لها بلعب دور مباشر في أي مسار تفاوضي محتمل. كما يمكن قراءة الدعوات الأوروبية الحذرة إلى الحوار مع موسكو ليس فقط بوصفها تعبيرا عن رغبة في انهاء الحرب، بل أيضا كاستجابة استباقية لاحتمال تراجع الدور الأميركي، وما يفرضه ذلك من ضرورة أن تمتلك أوروبا أدواتها السياسية الخاصة لإدارة الأزمة.
وتكشف هذه المواقف المتباينة عن معضلة أوروبية عميقة، فمن جهة هناك التزام سياسي وأخلاقي بدعم أوكرانيا والدفاع عن مبدأ احترام السيادة ووحدة الأراضي، ومن جهة أخرى إدراك متزايد بأن الحرب الطويلة تستنزف القارة اقتصاديا وأمنيا وتفرض التفكير في مخرج سياسي مهما بدا معقدا. وبين هذين الخيارين، تحاول أوروبا السير على خيط رفيع يجمع بين الردع العسكري والحذر الدبلوماسي، حيث لا تعكس التصريحات الأوروبية انقساما بقدر ما تعبّر عن اختلاف في تقدير التوقيت والوسائل. ويظل السلام في أوكرانيا هدفا صعبا يتم تأجيله دون التخلي عنه، في انتظار لحظة سياسية ترى فيها العواصم الأوروبية أن شروط الانتقال من الحرب إلى التفاوض قد نضجت بالفعل، وأن يتحول إعلان باريس من مجرد موقف سياسي إلى خطة عمل ملموسة، بما يعكس رغبة أوروبية في التحضير للسلام عبر تثبيت الردع أولا وبناء ضمانات أمنية تسبق أي تسوية سياسية.



