السوداني ينسحب والمأزق الشيعي يعيد المالكي إلى واجهة السلطة: اختبار الاستقرار في بغداد

سارة جودي مراسلين
تمر الساحة العراقية بمنعطف تاريخي حاسم، بعد الانتخابات البرلمانية في نوفمبر 2025، التي أظهرت تقدم تحالف محمد شياع السوداني ” ائتلاف الإعمار والتنمية” كأكبر كتلة برلمانية، دخلت البلاد في مرحلة من الجمود السياسي داخل “الإطار التنسيقي الشيعي ” حول اختيار رئيس الوزراء المقبل.
لكن تطور بارزا هز المشهد السياسي العراقي: بعد أن أعلن السوداني انسحابه من سباق ترشيح رئاسة الوزراء ودفعه باتجاه ترشيح زعيم ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي، في محاولة لكسر المأزق السياسي الحالي وإعادة ترتيب أولويات القوى الشيعية والعراقية.
هذه الخطوة أثارت أسئلة مهمة: هل تمثّل عودة المالكي استقرارا للسلطة السياسية في بغداد، أم أنها ستفاقم الانقسامات القديمة وتعيد إشعال التوترات التي عرفها العراق في السنوات الماضية؟
وبعد إعلان رئيس الوزراء العراقي الحالي محمد شياع السوداني انسحابه من الترشح لفائدة نوري المالكي، وهو تطور غير متوقع، وهو ما عبر عنه تحالفه كخطوة تهدف إلى حلّ الانقسامات داخل “الإطار التنسيقي الشيعي ” بعد شهور من الجمود والحراك غير المثمر.
المثير أن هذا القرار لم يصدر فقط كنتيجة شخصية للسوداني، بل جاء بعد مفاوضات ومداولات داخلية داخل التحالف الشيعي، تهدف إلى تقديم مرشح قوي قادر على توحيد الكتل الشيعية وتخفيف التصدّعات السياسية.
المواقف المتخوفة والرافضة الصمت الإقليمي والدولي اللافت
رغم ذلك، لم يخل المشهد من تحفّظات واسعة– ليس فقط داخل “الإطار التنسيقي” نفسه، بل أيضا من القوى السنية والكردية، بل وحتى التيارات الشيعية المعارضة مثل التيار الصدري وغيرها من الكتل التي تعتبر عودة المالكي استعادة لنموذج سياسي أثبتت التجارب السابقة أنه يثير الانقسامات ويفتقر إلى توافق وطني.
كما تشير بعض التحليلات إلى أن انسحاب السوداني ووضعه شروطا ضمنية لتعزيز قبول المالكي قد يعكس مناورة، بحيث يكون فشل ترشيح المالكي فرصة لإعادة طرح نفسه لاحقًا، في تحرك تكتيكي قد يعيد الكرة إلى ملعب السوداني إن لم يكتب للمالكي النجاح الكامل.
إلى جانب هذا التحرك الداخلي، لم تصدر القوى الكبرى مثل واشنطن وطهران مواقف حاسمة مباشرة تجاه ترشيح المالكي، فإن انعكاسات ذلك ستبقى في قلب حسابات القوى السياسية العراقية. الإدارة الأميركية بحسب بعض المراقبين، اكتفت بمراقبة التحولات دون رفض صريح، لكنها تشدد عادة على ضرورة أن لا تؤدي أي تسوية إلى تعزيز نفوذ الميليشيات المسلحة داخل مؤسسات الدولة.

عواصف متوقعة… تداعيات عودة الاستقرار الداخلي والإقليمي
وحسب مراقبين فان عودة المالكي تعني تقدم شخصيات تيارية وتقليدية على حساب القوى الأكثر حداثة داخل التحالف الشيعي، وهو ما قد يعيد إنتاج صراعات على المناصب والتأثير داخل”الإطار التنسيقي” نفسه، خصوصا إذا لم يحظَ انتخابه برضى كامل بين الكتل والأحزاب داخله. ومن المرجح أن تواجه الحكومة المقبلة، في حال ترشيح المالكي رسميا، اختبار ثقة حقيقي مع القوى السنية والكردية، لا سيما في الملفات الحساسة مثل التمثيل في المؤسسات، توزيع الثروات، وقانون النفط والغاز.
وقد يكون رفض بعض المكوّنات السنية في البرلمان لترشيح المالكي مؤشرا قويا لتباعد بين القوى السياسية، ما قد يفرض مزيدا من التسويات قبل منح الثقة للمرشح الجديد.
ومع استمرار قوة الميليشيات المسلحة مثل قوات الحشد الشعبي وعمليات دمجها داخل المؤسسات الرسمية تشكل تحديا مركزيا للحكومة المستقبلية. وتشير التحليلات إلى أن تفكيك شبكات السلاح غير المنضبط وتطبيق سيادة الدولة سيظل اختبارًا مهما، سواء بقي المالكي في الساحة أم تولّى منصبًا رسميا.
العراق الذي يقع وسط محاور النفوذ بين طهران وواشنطن، سيكون اختبار توازنه في تحقيق مصالحه الوطنية دون الدخول في مواجهات مفتوحة بالوكالة.
وأي ميل واضح نحو أحد الطرفين قد يثير جدلا داخليا ويقوض الاستقرار السياسي. ويبقى مشهد عودة المالكي أو ترشيحه في قلب عملية سياسية شديدة التعقيد، حيث تتشابك الاستراتيجيات الداخلية مع الاعتبارات الإقليمية والدولية.
رغم أن خطوة انسحاب السوداني يبدو أنها فتحت الباب نحو ترشيح المالكي، فإن العملية لم تحسم نهائيًا داخل “الإطار التنسيقي” وينتظر اجتماع آخر لحسم المرشح الرسمي في ظل شروط ومواقف متفاوتة بين القوى السياسية.
السؤال الأبرز الذي ينتظر الإجابة عليه هو: هل ستكون ولاية المالكي الثالثة مخرجا استراتيجيا تدفع بالاستقرار في العراق، أم أنها محركا جديدا للأزمات القديمة؟ الإجابة ستكون مرهونة بمدى قدرة القوى السياسية العراقية على التوصل إلى توافق وطني حقيقي، قبله البرلمان والمكونات الأساسية، قبل أن يتخذ البرلمان قرارا نهائيا بتكليف وتشكيل الحكومة القادمة.




