مقالات

دمج «قسد» في المقاربة الأميركية: إعادة ضبط العلاقة مع تركيا ضمن توازنات الناتو

بقلم : إسماعيل أحمد ديوب – باحث في الشؤون السياسية والاقتصاد الدولي

تشير مؤشرات سياسية ودبلوماسية متقاطعة إلى أن الولايات المتحدة تعيد تقييم مقاربتها تجاه قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في إطار مساعٍ أوسع لمعالجة التوتر المزمن مع تركيا، الحليف المحوري في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، تدفع واشنطن إلى إعطاء أولوية لإدارة تحالفاتها التقليدية وتقليل بؤر الخلاف داخلها.

من شراكة ميدانية إلى إعادة تموضع

منذ عام 2015، اعتمدت الولايات المتحدة على «قسد» كشريك محلي رئيسي في الحرب ضد تنظيم «داعش». غير أن تراجع التهديد المباشر للتنظيم، إلى جانب الاعتراض التركي المستمر على دور هذه القوات، أعادا طرح تساؤلات داخل دوائر صنع القرار الأميركية حول جدوى استمرار هذا النموذج من الشراكات.

في هذا السياق، برز خيار دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية كأحد السيناريوهات المطروحة، باعتباره حلًا يخفف التوتر مع أنقرة، ويتيح لواشنطن تقليص انخراطها العسكري المباشر دون ترك فراغ أمني مفاجئ.

تركيا داخل الناتو: أولوية تتجاوز الملف السوري

تُعدّ تركيا من أكثر أعضاء الناتو حساسيةً وتأثيرًا، نظرًا لموقعها الجغرافي ودورها في ملفات إقليمية ودولية متعددة، وخلال السنوات الماضية اتسمت علاقة أنقرة بالحلف بقدر من التوتر، على خلفية سياسات تركية أكثر استقلالية، شملت تنويع الشراكات الإقليمية والدولية.

من هذا المنطلق، ترى واشنطن أن معالجة أحد أبرز مصادر الخلاف مع تركيا، والمتمثل في ملف «قسد»، قد تسهم في إعادة ضبط العلاقة داخل الإطار الأطلسي، وتعزيز التنسيق في قضايا تعتبرها الولايات المتحدة أساسية لأمن الحلف.

تقليص هامش التقاطعات الإقليمية

لا تنطلق المقاربة الأميركية من افتراض قيام محور إقليمي متماسك يضم تركيا ودولًا مثل السعودية وإيران وباكستان، إلا أن دوائر غربية تتابع باهتمام أي تقاطعات سياسية أو أمنية ظرفية قد تنشأ بين هذه الأطراف، خاصة في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتباين المواقف من قضايا حساسة في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، يُنظر إلى استمرار الخلافات بين واشنطن وأنقرة على أنه عامل قد يدفع تركيا إلى توسيع هامش حركتها خارج الإطار الغربي. ويأتي التعامل المرن مع الملف السوري، بما في ذلك مستقبل «قسد»، كجزء من محاولة أميركية لتقليص دوافع هذا التوجه.

الدولة السورية كمؤسسة مركزية

ترى واشنطن أن وجود سلطة مركزية في سوريا يمكن التفاوض معها وإدارة الملفات عبرها يعد عنصرًا استراتيجيًا مهمًا. ويشير ذلك إلى رغبة أميركا في استقرار شمال شرق سوريا عبر مؤسسات الدولة، دون أن يعني تقديم دعم سياسي كامل للنظام السوري. وبذلك يتحول دمج «قسد» إلى أداة لتخفيف النزاع الداخلي، وتثبيت سلطة الدولة على الأرض، مع تقليل النفوذ غير الرسمي لأي طرف خارجي أو داخلي

مقاربة براغماتية

لا يُقدَّم دمج «قسد» في الطرح الأميركي باعتباره انحيازًا كاملًا للموقف التركي، بل كخطوة براغماتية تهدف إلى:

تخفيف التوتر بين حليفين داخل الناتو

تقليل احتمالات التصعيد العسكري في شمال سوريا

الحفاظ على قدر من الاستقرار في مرحلة انتقالية

خلاصة

يعكس التعاطي الأميركي مع ملف «قسد» مقاربة تقوم على إعادة ترتيب الأولويات، حيث تتقدم الاعتبارات الاستراتيجية المرتبطة بالناتو على الشراكات الميدانية المؤقتة. وبينما يبقى مستقبل «قسد» مرتبطًا بالمسار السياسي والأمني في سوريا، فإن التحركات الأميركية الحالية تشير إلى سعي واضح للحفاظ على تماسك التحالفات التقليدية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بارتفاع مستوى التعقيد وعدم اليقين.

أمجد أبو عرفة

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews