سوريامقالات

رؤية مستقبلية لإدارة التراث الثقافي في سورية .. من الحماية إلى التمكين

بقلم: المعمارية الاستشارية لونا أحمد لؤي رجب – خبيرة وطنية ودولية في صون التراث المادي واللامادي وإعادة الإعمار

تفرض المرحلة الراهنة في سورية إعادة التفكير جذريًا في كيفية إدارة التراث الثقافي، بعيدًا عن المقاربات التقليدية التي حصرت هذا القطاع في إطار الحماية الشكلية أو الترميم الجزئي. فالتحديات التي واجهها التراث خلال العقود الماضية، وتلك التي تفاقمت خلال سنوات الحرب، أظهرت بوضوح الحاجة إلى رؤية مستقبلية شاملة تقوم على الانتقال من مفهوم “الحماية السلبية” إلى مفهوم “التمكين الثقافي والتنمية المستدامة”.

تنطلق هذه الرؤية من اعتبار التراث موردًا وطنيًا متجدداً، لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية الأخرى، شريطة إدارته وفق معايير علمية واضحة. فالتراث لا يمكن أن يكون عنصرًا فاعلًا في التنمية ما لم يُحفظ أولاً، ويُوثّق بشكل دقيق، ويُعاد تأهيله بما يحترم قيمته التاريخية والأصيلة. أي استثمار يسبق هذه الخطوات يشكّل خطراً حقيقيًا على جوهر التراث، وقد يؤدي إلى فقدان قيمته الثقافية على المدى البعيد.

بالإضافة إلى ضرورة وضع هذا التراث ضمن سياق خطة وطنية شاملة تكون كافة القطاعات الحكومية والأهلية معنية بها وتغطي شبكة لكامل المواقع والمباني الأثرية والتراث اللامادي بحيث يكون العمل منسقاً ومستداماً.
تُظهر التجارب الدولية الناجحة أن إدارة التراث ضمن إطار التنمية المستدامة تتطلب تكاملاً بين عدة مستويات: التشريعي، والمؤسساتي، والمجتمعي.

فعلى المستوى التشريعي، لا بد من تحديث القوانين الناظمة لحماية التراث وتوظيفه، بما يواكب المتغيرات ويحد من الاستغلال غير المنضبط. أما على المستوى المؤسساتي، فتبرز الحاجة إلى تعزيز قدرات الجهات المعنية، وتطوير آليات العمل، وتبنّي اللامركزية المدروسة التي تسمح بإدارة أكثر مرونة وكفاءة.
غير أن الركيزة الأساسية لأي رؤية مستقبلية تبقى في إشراك المجتمع المحلي. فالمجتمعات التي تعيش في محيط المواقع الأثرية ليست عبئاً على التراث، بل هي خط الدفاع الأول عنه. عندما يشعر السكان بأن التراث مصدر فخر وفرص اقتصادية، يتحولون تلقائياً إلى حماة له، ويساهمون في استدامته.

هذا ما يجعل من التمكين المجتمعي عنصراً لا غنى عنه في أي سياسة وطنية لإدارة التراث ، كما تبرز السياحة الثقافية المستدامة كأحد أهم المسارات المستقبلية لتوظيف التراث في سورية.
فبدل الاعتماد على نماذج سياحية استهلاكية، يمكن تطوير نماذج تحترم الخصوصية الثقافية، وتدعم الاقتصاد المحلي، وتُعيد تقديم سورية للعالم بوصفها بلد حضارة حيّة، لا مجرد وجهة عابرة.

إن الرؤية المستقبلية للتراث الثقافي في سورية ليست مشروعاً نظرياً، بل ضرورة وطنية تتطلب إرادة سياسية، وتعاوناً مؤسساتياً، وشراكة مجتمعية حقيقية، لضمان أن يبقى التراث عنصر قوة لا عبئاً على مسار التعافي والتنمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews