مقالات

التحديات البنيوية لقطاع التراث الثقافي في سورية قبل الحرب

بقلم: المهندسة الاستشارية لونا رجب – خبيرة سورية وطنية و دولية في صون التراث المادي واللا مادي وإعادة الإعمار

لم تكن التحديات التي واجهها قطاع التراث الثقافي في سورية وليدة الحرب وحدها، بل تعود جذورها إلى ما قبل ذلك بسنوات طويلة، حيث عانى هذا القطاع من اختلالات بنيوية عميقة أثّرت على قدرته في أداء دوره الثقافي والتنموي. وقد أظهرت الدراسات، ومنها البحث الذي أنجزناه حول علاقة التراث الثقافي بالتنمية المستدامة، أن المشكلة لم تكن في غنى التراث أو تنوّعه، بل في آليات إدارته وغياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة.

أحد أبرز هذه التحديات تمثّل في ضعف الوعي المجتمعي بأهمية التراث، إذ غالباً ما كان يُنظر إليه بوصفه شأناً نخبوياً أو اختصاصياً يقتصر على علماء الآثار والمهندسين، لا كجزء من الحياة اليومية للمجتمع.
هذا الانفصال بين التراث والمجتمع أسهم في تراجع الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه حمايته، وجعل الكثير من المواقع الأثرية عرضة للإهمال أو التعديات.

كما عانى القطاع من محدودية الموارد المالية والبشرية، وهو ما انعكس على قدرات التوثيق والصيانة والترميم ، فعدد المواقع الأثرية المسجّلة في سورية يفوق بكثير الإمكانيات المتاحة لإدارتها، في ظل نقص الكوادر المتخصصة، وضعف برامج التدريب، وغياب الاستثمار المنهجي في بناء القدرات الوطنية.
إضافة إلى ذلك، شكّلت المركزية الإدارية أحد العوائق الأساسية أمام تطوير قطاع التراث ، فالقرارات كانت تُتخذ في كثير من الأحيان بعيداً عن خصوصيات المواقع والمجتمعات المحلية، ما حدّ من فعالية التدخلات، وأضعف فرص إشراك السكان في حماية تراثهم والاستفادة منه.

هذا النمط من الإدارة ساهم في تحويل التراث إلى عبء إداري بدل أن يكون فرصة تنموية.
كما افتقر القطاع إلى التكامل مع السياسات التنموية الأخرى، إذ نادراً ما جرى ربط التراث بالتخطيط العمراني أو السياحة أو التنمية الاقتصادية المحلية، ونتيجة لذلك، بقي التراث في هامش السياسات العامة، رغم ما يمتلكه من إمكانات كبيرة لدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الهوية الثقافية.

إن فهم هذه التحديات البنيوية يُعد اليوم خطوة أساسية لإعادة بناء قطاع التراث الثقافي على أسس سليمة ، فمعالجة آثار الحرب لا يمكن أن تنجح دون الاعتراف بالاختلالات السابقة، مع ضرورة العمل على تجاوزها عبر إصلاحات مؤسساتية وتشريعية، ورؤية تنموية تجعل من التراث جزءاِ لا يتجزأ من مستقبل سورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews