مقالات

الطائرة الورقية في حياة الفلسطينيين

بقلم: أحمد يوسف ضميري

في إحدى مواقع التواصل الاجتماعي شاهدت مقطعاً صغيراً لفتاة من مخيم الرشيدية في جنوب لبنان، تطير طائرتها الورقية على شاطئ البحر عند الغروب وهي حافية القدمين، مصوبة إياها نحو فلسطين.. مشهد أسرني وأخذني إلى ذكريات عمرها خمسة عشر عاماً، حينما كان يصنع لي أبي –رحمه الله عليه- طائرة ورقية.. فأراه يضع المسطرة والأقلام ويبدأ بتخطيطها كأنه مهندس، ومن ثم يجهزها ويركب الحبل الممسك بها؛ ليطلقها في عنان السماء من سطح منزلنا في مخيم طولكرم، الذي كان قبل أن يهدمه الاحتلال عام 2025م. وما كان لي إلا أن أمسك بها وأصوبها نحو الغرب –قدر الإمكان-، نحو محطة الخضيرة للكهرباء والتي تمكث على أرضنا المحتلة.

ليس واضحًا متى تم اختراع الطائرات الورقية، بيد أن بعض من العلماء يعتقدون أنها أنشأت أو بان ظهورها في الصين في عام 450 قبل الميلاد. وتشير أدلة أخرى إلى أن الطائرات الورقية استُخدمت في ثقافات ماليزيا وإندونيسيا وجنوب المحيط الهادئ كأدوات صيد مصنوعة من مواد طبيعية مثل أوراق الشجر والقصب. وتشير الأدلة الأنثروبولوجية إلى أن الطائرات الورقية ربما طُوّرت بشكل مستقل في مناطق أخرى، لكن هذه الادعاءات غير موثقة جيدًا.

بحلول القرن الثالث عشر، انتشر الطيران الورقي بفضل التجار من الصين إلى كوريا، وعبر آسيا إلى الهند والشرق الأوسط، ثم انتشر في جميع أنحاء أوروبا بين القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وطوّرت كل منطقة أسلوبًا مميزًا في الطيران الورقي وغرضًا ثقافيًا خاصًا به.

استخدمت الطائرات الورقية في فلسطين كألعاب للأطفال في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ولاسيما في القرى الساحلية من فلسطين. إذ يذكر لي خليل حمزة وهو مهجر من قرية “إجليل” قضاء يافا، أن والده كان يصنع مثل هذه الطائرات الورقية ويطلقونها أو يطيروها في السماء.


واستمر الأمر كذلك إلى سنوات الستينيات والسبعينيات، فقد كانت الطائرات الورقية هي إحدى الألعاب اليسيرة المتوفرة بأيدي أطفال اللاجئين الفلسطينيين، إذ كان الأطفال في فصل الخريف والشتاء، وعند الغروب أحياناً في فصل الصيف، يطيرون طائراتهم بفضل الرياح الشديدة المنتشرة بشدة في تلك الأوقات، وكانوا يصنعونها بأيديهم لعدم قدرتهم على شرائها. إذ كانوا يأتون بالقصب ويجعلونه مصلباً أو مثمناً ويربطونه بالحبال، ويكسونها بورق الجرائد، ويثبتون الورق بالعجين لعدم قدرتهم على شراء الصمغ، ثم يضعون الميزان، حتى تتوازن الطائرة في السماء. قال لي حسين الضميري (أبو ثائر): “كان أبوك أحسن واحد بعمل طيرات ورقية في مخيم طولكرم”.

في الانتفاضة الأولى اتخذت الطائرات الورقية منحى أخر في حياة الفلسطينيين، إذ أصبحت أداة للصمود والنضال، إذ قال لي بعض القياديين في الانتفاضة: “كنا نعمل الطائرات الورقية بعلم فلسطين ونطيّرها؛ لأنوا اليهود منعوا رفع العلم الفلسطيني في البيوت والشوارع والمؤسسات، وكان يعاقب من يرفع العلم” فكأنهم بذلك يحاولون رفع العلم الفلسطيني بأي وسيلة ممكنة.

ومن ذلك الوقت لم تعد الطائرة الورقية مجرد لعبة، بل وسيلة للتحرر ورمزاً للحرية التي يصبو إليها الفلسطينيون، فسعى للمشاركة بها في أي مناسبة أو مظاهرة تدعو لفلسطين أو أي نشاط يخص فلسطين تنظمه الأمم المتحدة وغيرها، كما حدث في عام 2011 م عندما انتزع أطفال غزة الرقم القياسي العالمي في الطائرات الورقية، عندما شارك ثلاثة عشر ألف طفل في برنامج الأونروا لألعاب الصيف في تحقيق الرقم العالمي ودخولهم موسوعة غينيس العالمية لأكبر عدد من الأطفال يطيرون طائرات ورقية في آن واحد.

وفي عام 2018م أصبحت الطائرات الورقية رمزاً لمسيرة العودة التي نظمها الفلسطينيون تجاه الاحتلال، ففي غزة طوروا الطائرات الورقية وزودوها بزجاجات حارقة وأطلقوها نحو الكيان الصهيوني، فما إن تنزل عليهم إلا وقد أحرقت أشجار ونباتات مغتصباتهم. وقد تسببت كما أشارت بعض الصحف والمواقع الإخبارية في إحراق ربع المساحات المزروعة من الأراضي الزراعية على الشريط الحدودي مع القطاع المحاصر.


وقد ضج العدو لذلك، فعقد الاجتماعات وتكاثرت التحليلات السياسية والشكاوى من المستعمرين اليهود، مع قلق أمريكي بتزايد مطلقي الطائرات الورقية “الحارقة” من عشر إلى عشرين طائرة يوميا. حتى أعلن جيش الاحتلال في نهاية المطاف قصف خيمة كانت تطلق هذه الطائرات الورقية، وقصف كل من يطلق الطائرات الورقية بعد أن عجز عن وقف حرب الطائرات الورقية التي يصنعها فتيان فلسطينيون من الورق والنايلون والخيوط التي تكلفهم أقل من دولار واحد.
ولشدة حقدهم على الطائرات الورقية ومطلقيها، خصم الاحتلال تكلفة اضرار الطائرات الورقية من عائدات الضرائب الفلسطينية، وقد رفضت القيادة الفلسطينية هذا الإجراء، لكن دون جدوى.

اتخذت الطائرات الورقية منحنى إضافياً آخر في حياة الفلسطينيين. فقد انعكس تأثير الطائرات الورقية في ثقافة الشعب الفلسطيني، وهذا ما نجده في القصص والروايات الفلسطينية. فقد قام الباحث لؤي وتد بدراسة 72 كتابًا أو رواية تطرقت إلى الطيران أو التحليق، صدرت في العشرين عاماً الأخيرة، ثم قال: “تؤدي الطائرات الورقية دورًا مشابهًا جدًا للفراشات في الأدب الفلسطيني، لكن يمكن أن نضيف أن الطائرة الورقية ستكون دائمًا من صنع بطل الرواية في القصة… الطائرة الورقية تمنح الطفل دورًا فردانيًا في النضال، وصريحًا وفعالًا في تحقيق أحلامه، وتحريره من حدود الواقع الذي فُرِضَ عليه”.

اعتبرت الطائرات الورقية ولاسيما المغطاة بالعلم الفلسطيني، رمزاً يطلقها الناشطون بإيرلندا، واستراليا، ونيويورك، وليستر في بريطانيا، وبلجيكيا، رمزاً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهناك مواقع أجنبية تحدثت عن ذلك.
مع أن الطائرات الورقية ما زالت إلى الآن أيضاً، تستعمل كوسيلة لعب للأطفال مع أنها في نفس الوقت ستبقى رمزاً لصمودهم، وحلماً بالحرية مع كل ارتفاع طائرة ورقية نحو السماء، حلماً أن نكون أحراراً كالطائرات الورقية لكن بأرضنا ومن دون خيط يمسك بنا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews